الصفحة 12 من 36

وهذه غزيرة في الطباع بحكم سنة الله تعالى: {ولن تجد لسنة الله تبديلًا} [الأحزاب: 62]

السبب الثاني: إن الإنسان عبد الإحسان، وقد جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها، فكل من أحبّ المحسن لإحسانه فما أحب ذاته تحقيقًا بل أحب إحسانه وهو فعلٌ من أفعاله لو زال زال الحب مع بقاء ذاته تحقيقًا، ولو نقص الحبّ ولو زاد، ويتطرّق إليه الزيادة والنقصان بحسب زيادة الإحسان ونقصانه.

السبب الثالث: أن يحب الشيء لذاته لا لحظ ينال من وراء ذاته، بل تكون ذاته عين حظّه، وهذا هو الحب الحقيقي البالغ الذي يوثق بدوامه، وذلك كحب الجمال وذلك لعين الجمال، لأنّ إدراك الجمال فيه عين اللذة واللذة محبوبة لذاتها لا لغيرها.

ولا تظن أنّ حبّ الصور الجميلة لا يتصور إلا لأجل قضاء الشهوة فإنّ قضاء الشهوة لذة أخرى، مثال حب الماء الجاري، وحبّ الخضرة، فالطباع السليمة قاضية باستلذاذ النظر إلى الأنوار والأزهار والأطيار المليحة الألوان، الحسنة النقش المتناسبة الشكل، حتى إن الإنسان لتنفرج عنه الغموم والهموم بالنظر إليها لا لطلب حظ وراء النظر.

فهذه الأسباب ملذة، وكل لذيذ محبوب، وكل حسن وجمال فلا يخلو إدراكه عن لذة، ولا أحد ينكر كون الجمال محبوبًا بالطبع.

السبب الرابع: طبيعة الإنسان أنها تحب التنزه عن الرذائل. طبيعة النفس البشرية أنها تحب الإنسان المستقيم الذي ليس عنده خداع ولا كذب وتكره الكذوب ذا الوجوه حتى الكفار لو كانت هذه صفاتهم يحبون هذه الصفات الجميلة.

السبب الخامس: المناسبة الخفية بين المحب والمحبوب، إذ ربّ شخصين تتأكد المحبة بينهما لا بسبب جمالٍ أو حظٍ ولكن بمجرد تناسب الأرواح فقد ذكر في حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (( الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ) ) [1]

فإذًا، ترجع أقسام الحب إلى خمسة أسباب هي: حب الإنسان وجودَ نفسه وكماله وبقائه. وحب من أحسن إليه فيما يرجع إلى دوام وجوده، ويعين على بقائه ودفع المهلكات عنه وحبه من كان محسنًا في نفسه إلى الناس وإن لم يكن محسنًا إليه، وحبه لكل ما هو جميل في ذاته سواء كان من الصور الظاهرة أو الباطنة. وحب كان بينه وبينه مناسبة خفيّة في الباطن، فلو اجتمعت هذه الأسباب في شخص واحد تضاعف الحب لا محالة، كما لو

(1) -رواه مسلم، حديث رقم: 2638، كتاب: البر والصلة، ج 3/ 2031.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت