تُهاجر، وتدع أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول فعصاه فهاجر، ثمّ قعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد وهو جهد - أي تلف- النفس والمال، فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال، فعصاه فجاهد، فمن فعل ذلك كان حقًًا على الله أن يدخله الجنة، ومن قتل كان حقًا على الله أن يدخله الجنّة، وإن غرق كان حقًا على الله أن يدخله الجنّة، وإن وقصته دابته كان حقًّا على الله أن يدخله الجنّة )) [1]
ما هو الصراط المستقيم؟
وهل الصراط متغير من أمّة إلى أمّة؟
وهل الصراط هو الطريق الذي نسلكه في دار الابتلاء لنصل به إلى دار الجزاء؟
ومَنْ يضع هذا الصراط لكي نسير عليه؟
وهل جميع الناس ينهجون نهج هذا الصراط أم أنهم ينهجون مناهج مختلفة؟ وما هي هذه المناهج؟
ألم يقل الله الذي خلقنا وهو أعلم بمن خلق: {وأنّ هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتّبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} [الأنعام:55]
ألم يقل الله تعالى الصراط المستقيم هو ما وصى الله تعالى به رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ليدعو قومه كي يتقوا بسلوكهم إياه عذابه يوم القيامة؟ لقد سنّ الله -عزّ وجلّ- سننًاَ كونية، وصراطًا مستقيمًا واحدًا، لا تعدد فيه، ولا نقصان ولا خلل، وهو المنهاج الذي بيّنه الله لآدم -عليه السلام- ولسائر النبييّن والمرسلين من ذريته.
قال تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ
(1) ) رواه النسائي، حديث رقم 6/ 21، 22، كتاب: الجهاد، باب: ما لمن أسلم وهاجر وجاهد.
(2) - الميداني، عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، المجلد الأول، تفسير سورة الفاتحة، ملحق خاص في تفسير الصراط المستقيم، من ص 319 - 373 بتصرف.