الصفحة 11 من 36

وقد قال نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- في دعائه"اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك وحب العمل الذي يبلغنا حبك اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد )) [1] "

فأول: ما ينبغي أن يتحقّق، أنه لا يتصوّر محبة إلا بعد معرفةٍ وإدراك، إذ لا يحبّ الإنسان إلا ما يعرفه، ولذلك لم يتصور أن يتصف بالحب الجماد بل هي خاصيّة الحيّ المدرك. ثم المدركات في انقسامها تنقسم إلى ما يوافق طبع المدرك، ويلائمه ويلذه، وإلى ما ينافيه وينافره ويؤلمه، وإلى ما لا يؤثر فيه بإيلام أو إلذاذ.

الثاني: أن الحبّ لما كان تابعًا للإدراك والمعرفة انقسم لا محالة بحسب انقسام المدركات والحواس، فلكل حاسة إدراك لنوع من المدركات، وللطبع بسبب تلك اللّذة ميل إليها، فكانت محبوبات عند الطبع السليم، فلذة العين هي في إدراك المبصرات الجميلة، والصور المليحة الحسنة المستلذة، ولذة الأذن هي في النغمات الموزونة، ولذة الشمّ تكون في الروائح الطيبّة، ولذة الذوق في الطعوم الشهيّة، ولذة اللّمس هي في اللين والنعومة ولما كانت هذه المدركات بالحواس ملذة كانت محبوبة، أي للطبع السليم ميل إليها حتى قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (( حبب إليّ من الدنيا: النساء والطيب، وجعلت قرّة عيني في الصلاة ) ) [2] ، فسمّي الطيّب محبوبًا، ومعلوم أنه لاحَظّ للعين والسمع فيه، بل الشمّ فقط، وسمّى النساء محبوبات ولاحَظَّ فيهنّ إلا للبصر واللمس دون الشم والذوق والسمع، وسمى الصلاة قرة عين، وجعلها أبلغ المحبوبات، ومعلوم أنها لا تحظى بها الحواس الخمس، بل يحظى بها حسٌ سادس وظنته القلب ولا يدركه إلا من كان له قلب.

ولذات الحواس الخمس تشارك فيها البهائم الإنسان فإن كان الحب مقصورًا على مدركات الحواس الخمس وحب الله تعالى أعلى من هذه المقامات فتكون لذة القلب بما يؤمن به من الأمور الغيبية التي لا ترى بالحواس ولا تدركه العقول السليمة.

الأصل الثالث: وفيه الأسباب التي تجعل المحبة في القلب:

السبب الأول: أن الإنسان لا يخفى أنه يحب نفسه ولا يخفى أنه قد يحب غيره لأجل نفسه، وبيان أن المحبوب الأول عند كل حي: نفسه وذاته، ومعنى حبه لنفسه أن في طبعه ميلا إلى دوام وجوده، ونفرة عن عدمه وهلاكه

(1) -رواه الترمذي، حديث رقم: 3490، في الدعوات ج 5/ 522.

(2) -رواه النسائي، حديث رقم: 3937، في أول كتاب عشرة النساء ج 7/ 61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت