كان للإنسان ولد جميل الصورة حسن الخلق كامل العلم حسن التدبير محسن إلى الخلق ومحسن إلى الوالد كان محبوبًا لا محالة غاية الحب.
الأسباب الخمسة لبيان المحبة هي مجتمعة في حق الله تعالى، ووجودها في حقّ غيره وهم وتخيّل، وهو مجاز محض لا حقيقة له، ومتى ثبت ذلك انكشف لكل ذي بصيره ضد ما تخيّله ضعفاء العقول والقلوب من استحالة حب الله تعالى تحقيقًا، وبانَ أنّ التحقيق يقتضي أن لا تحب أحدًا غير الله تعالى.
أما السبب الأول: وهو حب الإنسان نفسه وبقاءَه وكماله ودوام وجوده، وبغضه لهلاكه وعدمه ونقصانه وقواطع كماله فهذه جبله كلِ حيّ، ولا يتصوّر أن ينفك عنها، وهذا يقتضي غاية المحبة لله تعالى، فإن من عرف نفسه وعرف ربه عرف قطعًا أنه لا وجود له من ذاته، وإنما وجود ذاته ودوام وجوده وكمال وجوده من الله وإلى الله وبالله، خلق الأسباب الموصلة إليه وخلق الهداية إلى استعمال الأسباب وإلا فالعبد من حيث ذاته لا وجود له من ذاته، بل هو محضٌ وعدم صِرف، لولا فضل الله تعالى عليه بالإيجاد، وهو هالك عقيم وجوده لولا فضل الله عليه بالإبقاء، وهو ناقص بعد الوجود لولا فضل الله عليه بالتكميل لخلقته.
فالله وحده لا شريك له المستحق للمحبة لأنه الغنى، قال تعالى: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد} [فاطر:15] ، فوصف الغني والكمال وصف ذاتّي انفرد به ربّ العزة والجلال ووصف الحاجة والافتقار وصف ذاتي لكل مخلوق على وجه الاضطرار في حبه لله تعالى.
فالله هو المستحق للحب وحده لا شريك له، ومن خلا من الحب هذا فلأنه اشتغل بنفسه وشهواته وغفل عن نعم الله -عزَّ وجلّ-.
أما السبب الثاني: وهو حبه من أحسن إليه فواساه بماله ولاطفه بكلامه، وأمدّه بمعونته وقمع أعداءَه وقام بدفع شر الأشرار عنه، وهذا بعينه يقتضي أن لا يحب إلا الله تعالى فإنه لو عرف حق المعرفة لعلم أن المحسن إليه هو الله تعالى فقط، فأما أنواع إحسانه فلا تُعدُّ ولا تُحصى: {وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها} [إبراهيم: 34]
أما السبب الثالث: فهو حبه للمحسن في نفسه وإن لم يصل إليه إحسانه. وهذا يقتضي حب الله تعالى بل يقتضي أن لا يحب غيره أصلًا من حيث يتعلّق منه بسبب، فإنّ الله هو المحسن إلى الكافة، والمتفضل على جميع أصناف الخلائق، أولا: بإيجادهم ثانيًا: بتكميلهم بالأعضاء والأسباب التي هي من ضروراتهم. وثالثًا: بترفيههم