من دلالة مفهوم هذه الآية الكريمة يمكننا أن نستنبط أن الله سبحانه وتعالى لا يعاقب على أي ذنب أو جرم إلا بعد البيان الكافي، والواضح لهذا الجرم.
قال ابن كثير - عليه رحمة الله تعالى - في تفسيره لهذه الآية الكريمة: (إنما أعذرنا إلى الثقلين بإرسال الرسل، وإنزال الكتب لئلا يؤاخذ أحد إلا بعد إرسال إليهم) [1] .
و قال الإمام الطبري - عليه رحمة الله تعالى - في تفسيره لهذه الآية: (أي لم يعالجهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسلًا تنبههم على حجج الله تعالى عليهم، وتنذرهم عذاب الله يوم معادهم إليه، ولم يكن بالذي يأخذهم غفلة، فيقولوا: ما جاءنا من بشير، ولا نذير) . [2]
و لعل هذه الآية الكريمة تدل أيضا بدلالة مفهومها على مبدأ الشرعية الجنائية، لأن الله تعالى لم يكن ليعاقب أي قرية بظلم دون بيان الذنب والعقاب بدلالات واضحة.
قال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) } . [3]
البيان الإلهي يبين أن الله تعالى يرسل الرسل مبشرين بالثواب للمؤمنين المطيعين، ومنذرين بالعقاب للعصاة والطغاة، وهذا الإنذار أو التبشير هو الدليل الواضح على كل فعل من أفعال المكلفين، وعليه فإن هذه الآية الكريمة تدل دلالة المفهوم على مبدأ الشرعية الجنائية.
قال الشيخ محمد الأمين [4] - عليه رحمة الله: (أن هذه الحجة التي قطعها الله على خلقه بإرسال الرسل مبشرين، ومنذرين قد بينها عز وجل في آخر سورة طه بقوله:
{وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134) } . [5]
(1) - تفسير القرآن العظيم لابن كثير، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، ج 2/ 177 - 178.
(2) - تفسير الطبري، جامع البيان، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، مصطفى البابي الحلبي، الطبعة الثالثة 1388 هـ، ج 8/ 37.
(3) - سورة النساء، الآية 165.
(4) - محمد الأمين: هو محمد الأمين ببن محمد مختار الشنقيطي من علماء شنقيط بموريتانيا من مؤلفاته: أضواء البيان في تفسير القرآن، ومنهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات، وغيرها توفي بمكة المكرمة سنة 1393 هـ. انظر الأعلام للزركلي، ج 6/ 45.
(5) - سورة طه، الآية 134.