الصفحة 29 من 29

قد أيس أن يعبد في بلدكم هذا أبدا، ولكن سيكون له طاعة في بعض ما تحتقرون من أعمالكم، فيرضى بها ألا، وكل دم من دماء الجاهلية موضوع، وأول ما أضع منها دم الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعًا في بني ليث، فقتلته هذيل، ألا وإن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون، ولا تظلمون ألا يا أمتاه هل بلغت ثلاث مرات، قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد ثلاث مرات) [1] .

و قد فسر أصحاب هذا الرأي قوله - صلى الله عليه وسلم - بأن الأصل في الدماء والأموال والأعراض الحرمة مما يؤكد أن الإباحة ليست أصلا في الأشياء، وإلا كانت هذه الأشياء من جملتها.

و قد أجاب عليهم أصحاب الرأي المخالف، لقولهم بأن هذا الاستدلال خارج عن محل النزاع، لأنه خاص بالأموال التي أصبحت مملوكة لمالكيها، ولا خلاف في حريمها على الغير، وأيضًا لا خلاف في حرمة الدماء، والأعراض للنصوص الواردة في ذلك، والنزاع إنما هو في الأعيان التي خلقها الله لعباده، وليست مملوكة كالحيوانات، والنباتات التي يرد نص بتحريمها، وليست مملوكة لأحد، ولا ضرر يلحق مستعملها. [2]

الاجتهاد الراجح:

لعل الاجتهاد الراجح في هذه المسألة هو اجتهاد القائلين بأن الأصل في الأشياء الإباحة، وذلك لقوة أدلتها الشرعية النقلية، والعقلية وسلامتها من كل طعن قاتل.

و لعل أهم ما جعلني أرجح هذا الاجتهاد ما يلي:

1 -قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) } . [3]

فإنه موضع اجتهاد في الإذن عند عدم النص. [4]

(1) - رواه ابن ماجه في سننه، محمد بن يزيد، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، دمشق، ج 2/ 1015 برقم 3055 وقال عنه الشيخ ناصر الألباني حديث صحيح، ورواه الترمذي في سننه، محمد بن عيسى، تحقيق أحمد محمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج 5/ 275. رقم الحديث 3087 وقال عنه الشيخ ناصر الدين الألباني حديث حسن.

(2) - انظر إرشاد الفحول للشوكاني، ص 286.

(3) - سورة التوبة، الآية 43.

(4) - انظر الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي، إبراهيم بن موسى اللخمي، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ج 1/ 161 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت