وفي [مريم] تنزيهه عن الولد في أول السورة وآخرها ظاهر وعن الشريك في مثل قصة إبراهيم، وفي الأنبياء تنزيهه عن الشريك والولد، وكذلك في [المؤمنون] : {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} [المؤمنون: 91] وأول الفرقان: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ} [الفرقان: 2] .
والقصد منها الرد على المشركين المقرين بالصانع ومن جعلَ له ولدًا من المشركين وأهل الكتاب. أما مذهب الفلاسفة الملحدة فدائر بين التعطيل (أي إنكار الصانع) وبين الشرك والولادة كما يقولونه في الإيجاب الذاتي (أي الصدور عن الواحد) . فإنه أحد أنواع الولادة، وهم ينكرون معاد الأبدان، وقد قرن بين هذا وهذا في الكتاب والسنة في مثل قوله: {وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا} [مريم: 66، 67] إلى قوله: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا} [مريم: 88] . وهذه في سورة مريم المتضمنة خطاب النصارى ومشركي العرب، لأن الفلاسفة داخلون فيهم، فإن اليونان اختلطوا بالروم فكان فيها خطاب هؤلاء وهؤلاء وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يقول الله تعالى: (شتمنى ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، فأما شتمه إياي فقوله أني اتخذت ولدًا وأنا الأحد الصمد لم يلد ولم أولد ولم يكن لي كفوًا أحد، وأما تكذيبه إياي فقوله لن يعبدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته) [1] .
(1) النبوات ص 18.