ففي كلام المرداوي ما يفيد أن الحلق يختلف عن الحف؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، وتقدم معنا أن الحف في اللغة لا يخرج عن معنيين:
الحلق، أو النتف، فالأقرب أن المقصود بالحف في كلام الإمام أحمد هو الحلق؛ أي: إنه يريد بالحف الحلق.
ويدل على ذلك الفتوى التي نقلها أحمد بن القاسم عن الإمام أحمد أنه سُئل عن النامصة والمتنمصة، قال:"هي التي تنتف الشعر، فأما الحلق، فلا، قيل له: فما تقول في الحلق؟ قال: الحلق غير النتف؛ النتف تغيير، فَرَخَّصَ في الحلق" [1] .
فهذا نص صريح عن الإمام أحمد أنه يحرم النتف، ويجيز الحلق، وهو المقصود، بناءً على ما سبق؛ فالإمام أحمد إنما أجاز الحف الذي بمعنى الحلق؛ جمعًا بين الروايات عن الإمام أحمد.
ذكرت - فيما سبق - بعض أحكام النمص؛ للعلاقة الواضحة بينه وبين التشقير؛ لأن التشقير إنما مُنع لكونه في معنى النمص - كما سيأتي ذلك مفصَّلًا إن شاء الله.
فلذلك قدمت بذكر معنى النمص في اللغة والشرع، وحكمه، مع دليل ذلك؛ ليكون قاعدة لما يأتي، والله أعلم.
المبحث التاسع: تعريف التشقير لغةً:
الشُّقْرةُ: لونُ الأشْقرِ، وهي في الإنسان حمرة صافية، وبشرته مائلة إلى البياض. شَقِرَ كَفَرِحَ وَكَرُمَ، شَقْرًا بفتح فسكون، وَشُقْرَةً بالضم، وَاشْقَرَّ اشْقِرَارًا، وهو أشقر، قال العجاج: وقد رأى في الجو اشْقِرَارًا، وقال الليث: الشقر والشقرة مصدرا الأشقر، والفعل شقر يشقر شقرة، وهو الأحمر من الدواب [2] .
شقرة: شَقِرَ شَقْرًا وشُقْرةً فهو أشقر؛ أي: أحمر [3] .
الشقرة في الإنسان: حمرة تعلو البياض [4] .
تبين مما سبق أن تشقير الحاجبين لغةً هو: جعل لون الحاجبين أشقرَ مقاربًا للون الجسد.
(1) كتاب الترجل ص 194.
(2) تاج العروس 1/ 3021.
(3) العين 1/ 373.
(4) جمهرة اللغة 1/ 398.