من المعروف أن هناك دارين للمسلمين: دار الإسلام حيث يعيش فيها المسلمون قاطبة، وفيها يطبقون شرع الله، ولا يجدون لومة لائم في العمل بشريعة الله سنة وقرآنا ومنهاجا. وفي المقابل، هناك دار الحرب أو دار العهد، وتسمى أيضا بدار الدعوة أو دار التعارف أو دار الإنسانية أو دار الهجرة أو دار الاغتراب أو المجتمع غير الإسلامي، حيث تعيش فيها أقليات من غير المسلمين، أو يرتادها مسلمون مغتربون ومهاجرون عن ديارهم الأصلية بحثا عن العمل أو الرزق أو الحرية أو العيش الكريم، أو طلبا للدراسة والعلم والشفاء. بيد أن للمسلمين الذين يعيشون في هذه الديار مشاكل متنوعة ومختلفة، تتعلق بمشاكل سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية ودينية وحضارية. بيد أن المشاكل الدينية هي التي تزداد حدة وصعوبة وتعقيدا، وتتطلب حلولا إجرائية ومستعجلة، وخاصة أن هذه الأقليات تعيش بين أقوام متعددة: وثنية، وبوذية، ويهودية، ونصرانية، وملحدة ...
وقد استوجب هذا الواقع الشائك وجود فقه خاص بالأقليات يسمى بفقه المهجر أو فقه التعارف أو فقه المغتربين أو فقه الأقليات أو فقه المسلمين في غير المجتمع الإسلامي. ولهذا الفقه أصول ومبادئ نظرية وتطبيقية يجب معرفتها واستيعابها وتمثلها، ولاسيما أن هذا الفقه يتميز برؤية تطبيقية معاصرة، مادام يراعي أحوال المغتربين واقعا وزمانا وعرفا وعادة وحالا ومجتمعا.
إذًا، ما فقه المهجر؟ وما مقوماته النظرية والتطبيقية؟ وما أهدافه العامة والخاصة؟ وما مصادره؟ وما المشاكل التي يطرحها هذا الفقه؟ وكيف يمكن تأصيل هذا الفقه وتأسيسه؟ هذا ما سوف نتبينه في موضوعنا هذا.