القراءة اللاحقة سعيًا دائمًا وراء المكوّنات التفصيلية لبنية الظاهرة؛ بما يقدّم كل أجزاء هذه الظاهرة؛ وبما يفضي، في الوقت نفسه، إلى تركيب معرفة أشمل حول هذه الظاهرة.
إذا بدأنا بالدكتور محمد غنيمي هلال، مناقشين كيفية تصوره لطبيعة الأدب المقارن، فإننا نفعل ذلك في إطار انسجام طبيعي مع تاريخ ظهور وتطور هذا العلم في البيئة الثقافية والفكرية العربية. وتقوم طبيعة الأدب المقارن في تفكير الدكتور هلال على محاور مركزية أربعة: التأثير والتأثر - التأريخ لعلاقة التأثير والتأثر الحقيقي - اعتيادية التأثير والتأثر - الوظيفة المُنتظرة من دراسات التأثير والتأثر.
لا يقيم الدكتور محمد غنيمي هلال بالًا لأية مقارنة بين موضوعين أدبيين لم تنشأ بينها فعلًا صلات من التأثير والمتأثر.
وإذا حيّدت أية دراسة هذا الأصل، ولم تبحث فيه، واتجهت مباشرة إلى موضوعات ومطالب أخرى، فهي لا تُعد من صميم الأدب المقارن، كما أن الدراسات التي تنصرف إلى عقد المقارنات بين الظواهر و الموضوعات الأدبية التي لم تتأكد بينها علاقات التأثير والتأثر، وصلات أخذ اللاحق عن السابق، فإنها بعيدة تمامًا عن أن تُدرج في إطار هذا العلم (الأدب المقارن) .
يقول: (ويترتب على ما سبق ... أنه لا يُعد من الأدب المقارن في شيء ما يعقد من موازنات بين كتاب من آداب مختلفة لم تقم بينهم صلات تاريخية حتى يؤثر أحدهم في الآخر نوعًا من التأثير أو يتأثر به) 37، وإن تم رصد شيء من التشابه والتقارب بين ظاهرتين أدبيتين في لغتين مختلفتين، فإن هذا لا يُعد مبررًا كافيًا للقيام بدراسة مقارنة بين هاتين الظاهرتين، يقول: (ولا يصح أن ندخل في حسابنا مجرد عرض نصوص أو حقائق تتصل بالأدب ونقده لمجرد تشابهها أو تقاربها دون أن تكون بينها صلة ما نتج عنها توالد أو تفاعل من أي نوع كان) 38. والبحث في التشابه بين مختلفين لم تتأكد صلة بينها ليست له قيمة تاريخية؛ وبذلك لا يُعد في باب الأدب المقارن 39.
والدكتور محمد هلال يعي إمكانية حدوث التشابه بين النصوص الأدبية في الآداب القومية المختلفة؛ لتشابه الحوادث والظروف التي تقرّب بين التجارب الإنسانية، غير أن نتيجة هذا