نظرية الأدب المقارن في كتابات المقارنين العرب
ألف الفكر الإنساني، في العشريّات المتأخرة، بما في ذلك محاولات البحث العربي، إجراء تقييم ومساءلة لما أنجز من جهد معرفي في مختلف حقول المعرفة الإنسانية. وننتظر من هكذا قراءة، أن تضعنا أمام جملة من الحقائق المتعلّقة بنوع وكفاءة الأفكار والرؤى التي جرى إنتاجها في هذا الحقل المعرفي أو ذاك. وعادة ما يتجه هذا النوع من الدراسات (قراءة المنجز المعرفي) إلى نظرية أو نظريات هذه العلوم والمعارف؛ لسببين مركزيين:
الأول: أن النظرية، بوصفها نسقًا من الأفكار التأسيسية، التي تؤصل للعلم وتقيم أطروحاته، فإنها، بالتالي، التي تعرّف به، وتطرح مصطلحاته، وتقدّم طبيعته، وتظهر وظيفته، و هذه هي المبادئ الأساسية التي تشكل الإطار العام لكل نظرية. وعندما تنهض القراءات اللاحقة بدراسة هذا العلم، فإنها تنطلق أساسًا من هذه الأفكار التأسيسية التي جرى طرحها في نظريته.
أما السبب الآخر، فينصرف إلى قدرة أي علم أو حقل معرفي على إغناء نظرياته وتعميقها؛ بفضل التداول المعرفي المتلاحق بين علمائه؛ فنصير، عندئذ، أمام ما تحقق من إضافات زادت في النظرية وأخصبتها. فعندما تتجه القراءة اللاحقة إلى ما تم إنجازه في حقل ما، عبر نظرية هذا الحقل، فإنها، بذلك، تنتقل بين المنطلقات التي أسست للعلم، وشكّلت هويته المعرفية: خصوصية واستقلالًا، وبين توالي الممارسات المعرفية التي تدفع باتجاه استمرارية هذا العلم وقدرته الدائمة على تبرير وجوده نسقًا معرفيًا مستقلًا وفعّالًا.
تُرصد دراستنا في هذا الإطار من الإجراءات المعرفية، القائمة على قراءة ورصد ما أُنجز من نظريات ومعارف أنتجها العقل في حقل من الحقول المعرفية.
أما الحقل المعرفي الذي نستهدفه بالقراءة، فهو (الأدب المقارن) ، وأما العقل الذي أنتج ونشط فيه، فهو العقل العربي لمجموعة من المتخصصين في هذا اللون من ألوان المعارف الأدبية. وقد جرى اعتماد مجموعة تتكون من رواد هذا اللون المعرفي، ممن أسسوا له عربيًا، واشتغلوا على تثبيته والكتابة فيه، فهم، بالتالي، يتنوعون، من جهة التاريخ؛ إذ منهم الدكتور محمد غنيمي هلال الموطّن لهذا اللون المعرفي عربيًا، و الدكتور سعيد علوش و الدكتور عز الدين المناصرة ممن