الصفحة 24 من 29

المحور الثالث: اعتيادية التأثر:

من المُنتظر أن يبرز احتجاج على ميل الدكتور هلال التاريخي، أو لنقل على اطمئنانه الزائد إلى المنهج التاريخي وصوابيته؛ بوصفه الألصق بطبيعة المقارنة الأدبية الحقيقية، وبوصفه الأكثر فاعلية؛ لقيام الأدب المقارن بدوره العلمي المعرفي الذي من أجله نشأ. وسيكون مصدر الاحتجاج أصوات مقارنين عرب متأخرين، اطلعوا على تطور الأدب المقارن، وعلى ما استجد على نظريته وتطبيقاتها من إضافات؛ ليعلنوا احتجاجهم واصفين المنهج التاريخي بالعقم 45، وأنه يظهر تبعية طرف المقارنة المتأثر 46. ويجمع الدكتور عبده عبود جملة المآخذ على المنهج التاريخي في قوله: (فدراسات التأثير والتأثر تقلل من أصالة الأديب المتأثر وتظهره في مظهر من يقلد الأدباء الأجانب، إن لم يكن في مظهر من يمارس السرقة الأدبية ... فمما لا يمكن إنكاره حقيقة أن بحوث التأثير تعطي الجانب المتأثر دورًا سلبيًا، إذ تضعه في موقف المنفعل لا الفاعل، طامسة بذلك دوره الإيجابي الخلاّق) 47.

لم يكن الدكتور هلال غير مدرك لاحتمالات الاحتجاج على استفراد التاريخ بدراساته المقارنة، بل كان يعي ذلك، وينتظره؛ لذلك كانت له عديد الإشارات التي حاولت تصحيح الانطباع السلبي عن فكرة (التأثر) بين الآداب، وبين الأدباء (فالتأثير الرشيد لا يمحو الطابع المحلي، ولا يطغى على الأصالة القومية، ولا ينال من قدر الكاتب ومقدرته) 48، ويُرجع الدكتور هلال اعتيادية التأثر إلى عاملين مركزيين، أولهما: أن (الأصالة المطلقة مستحيلة، وأن الأفكار متفرقة مجزأة ملك الإنسانية جمعاء، وكفي الناقد أو الكاتب أصالة أن يخلق منها كلا تظهر فيه شخصيته. ولذا كان التأثر الهاضم غير ماس بأصالة الكاتب أو الناقد) 49، ويستشهد الدكتور هلال بتاريخ الأدب الإنساني ليؤكد أن الثقافات لم تتوقف يومًا عن تبادل المنجزات الأدبية بصورها المختلفة؛ فأمر التأثر شأن طبيعي بين آداب الشعوب المختلفة، ويطلق الدكتور هلال وصف: الاستعارات الأدبية 50 ليلطّف، من خلاله، الدلالات الحادّة التي قد تفرزها عملية التأثر حول الطرف المتأثر. ونفهم من هذا الوصف العامل الآخر الذي يبرر عملية التأثر، وبالذات من جهة الطرف اللاحق، ونقصد بهذا العامل: (أن الآداب في مختلف الأمم تتبادل فيما بينها علاقات التأثير والتأثر) 51،وأن هذه العلاقات سلوك مألوف بين الحضارات والثقافات الإنسانية، دونما تقدير لاعتبارات التفوق أو التمايز؛ فهناك أمم تأثرت وهي قوية، كالأمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت