الصفحة 23 من 29

الآداب تشترط صلة ما بينها، وهذه الصلة بالذات، هي ما يمثل أحد أهم قضايا البحث في الأدب وفق التصور التاريخي الذي يتبناه الدكتور محمد هلال (فالأدب المقارن يهتم بإثبات الصلة بين الوسط المؤثر والوسط المتأثر) 41 و (يستعان في ذلك بما أدلى به المؤلف من تصريحات عن نوع ثقافته وتأثره بكاتب أو ثقافة بلد) 42، وتسجيل تصريحات الكاتب عن طبيعة مصادر تشكيل ثقافته، ومن ثم صياغة وعيه الإبداعي، يُعد من صميم الشأن التاريخي، ولا يجب التوقف، فقط، عند هذه التصريحات، بل لابد من التوسع في البحث التاريخي؛ ليشمل الحقائق التاريخية لعصر الأديب، أو الظاهرة الأدبية موضوع الدراسة المقارنة (كي يستطيع(المقارن) إحلال الإنتاج الأدبي محله من الحوادث التاريخية التي تؤثر في توجيهه ومجراه) 43.

الأدب المقارن تأريخ للحظة التلاقي بين طرفي المقارنة (المؤثر والمتأثر) ، وتأريخ لظروف وسياقات هذا التلاقي، وهو أيضًا تأريخ للأدب في إطاره القومي من جهة صفاته، وخصائصه المضمونية والشكلية، تم تأريخ، بعد ذلك، لما طرأ على هذا الأدب القومي من تغيّرات مسّت صفاته وخصائصه المضمونية و الشكلية. فالأدب المقارن، وفق تصور الدكتور هلال، رحلة قاطرتها التاريخ؛ تنطلق من فرضية الصلة، لتؤكد من ثم، بالدلائل والقرائن التاريخية، وقوع هذه الصلة، وما يترتب عليها من نتائج أدبية وفكرية. ويلخّص الدكتور محمد هلال طبيعة الأدب المقارن التاريخية بامتياز في قوله: (لأننا لا نقصد بدراسة الأدب المقارن إلا الوصول إلى شرح الحقائق عن طريق تاريخي، وكيفية انتقالها من لغة إلى أخرى، وصلة توالدها بعضها من بعض، والصفات العامة التي احتفظت بها حين انتقلت إلى أدب آخر) 44.

ولو أردنا إعادة إنتاج التصور التاريخي العلمي بشموليته وهو يضبط حركية المقارنة الأدبية، فإننا سنقترح صيغة تنتقل بالعملية التاريخية بين جوانبها المتعددة البانية لطبيعتها، وهي:

-الجانب العلمي الوضعي: التأثير.

-الجانب التاريخي الوثائقي: القرائن والأدلة التاريخية التي تثبت الصلة.

-جانب تأريخ الإبداع والإضافة: التحوّلات التي طرأت على الطرف المتأثر من جهة الصفات الإبداعية الأدبية الجديدة التي توفرّت له واستطاع تحصيلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت