ـ غفلنا وهذه مصيبة، والمصيبة الأدهى والأعظم أننا لا نشعر أننا غفلنا، هبَّت رياح المعصية فأطفأت شموع الخشية من قلوبنا وطال علينا الأمد.
ـ لهذا كله كان لابد من الوقوف على بعض مشاهد الحسرة في الآخرة، عسى أن ننتهي عن الذنوب وتلين منا القلوب، وتستيقظ وتخشع وتذل النفوس، وننتبه من الغفلة، فأصل المصائب وارتكاب الذنوب وفعل المعايب الغفلة عن الآخرة.
فذِكر اليوم الآخر يُطهِّر القلوب من الحسد والفرقة والاختلاف.
وذِكر اليوم الآخر يهدد الظَلَمَة ليكفوا ويرتعدوا، ويُعزي المظلومين ليسكنوا، فكل سيأخذ حقه لا محالة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء فلا ظلم ولا هضم.
-ذِكْر اليوم الآخر يمسح على قلوب المستضعفين والمضطهدين والمظلومين مسحة يقين تسكن معه القلوب؛ لأنهم يتطلعون لما أعده الله للصابرين من نعيم يُنْسَى معه كل ضرٍ وبلاء، وسوء وعناء، ويُهوِّن عليهم ويعزيهم ما أعده الله للظالمين من بؤس يُنْسَى معه كل هناء.
فهيا معي يا عباد الله ... لنقف على مشاهد الحسرة، أسأل الله لنا ولكم ألا نكون من أهل الحسرة، علَّ ذلك تصلح به القلوب، وتتجه إلى علام الغيوب، وتنقاد الجوارح إلى العمل الصالح.
قال تعالي: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} (مريم:39)
إنه يوم الحسرة وما أدراك ما الحسرة؟
إنه إنذار وإخبار، وتخويف وترهيب بيوم الحسرة حين يُقضى الأمر.
إنه يوم يُجمَع الأولون والآخرون في موقف واحد يسألون عن أعمالهم.
فمن آمن واتَّبع وصدق في إيمانه سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدًا، ومن تمرَّد وعصى شقي شقاء لا يسعد بعده أبدًا، وخسر نفسه وأهله، وتحسَّر وندِم ندامة تتقطع منها القلوب، وتتصدع منها الأفئدة أسفًا. فأصل المصائب وأساس الذنوب والمعايب هو الغفلة عن اليوم الآخر.
وأي حسرة أعظم من فوات رضا الله وجنَّته، واستحقاق سخطه وناره؟!
إنها حسرة؛ لأنه لم يستعد للميعاد، ولم يستكثر من الزاد، وتَحسُّر لأنه لا إلى دنياه راجع، ولا في حسناته زائد.
وأنذرهم يوم الحسرة يوم يؤتى بالموت، كما في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري:
"كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار، فيُقال: يا أهل الجنة ... هل تعرفون هذا؟"