الصفحة 15 من 41

غيًّا وجهلًا وانغماسًا في عبادة الأوْثان، والله تعالى يؤلِّف شملهم ويدفع الآفات عنهم، وينظِّم أسباب معايشهم؛ وذلك لا شكَّ أنَّه في غاية التعجُّب من عظيم حِلْم الله وكرمه، ونظيرُه في اللُّغة قولك: لزيد وما صنعنا به، ولزيد وكرامتنا إيَّاه، وهذا اختيار الكسائي والأخفش والفرَّاء.

وأمَّا فيما يخصّ التَّكرير في قوله: {لإيلاف قُرَيْشٍ إيلافهم} ، فهو أنَّه أطلق الإيلاف أوَّلًا ثم جعل المقيَّد بدلًا لذلك المطْلق؛ تفخيمًا لأمر الإيلاف، وتذكيرًا لعظيم المنَّة فيه، والأقْرب أن يكون قولُه: {لإيلاف قُرَيْشٍ} عامًّا يجمع كلَّ مؤانسة وموافقة كانت بينهم، فيدخل فيه مقامهم وسيرهم وجَميع أحوالِهم، ثمَّ خصَّ إيلاف الرِّحْلتين بالذِّكْر لسبب أنَّه قوام معاشهم؛ كما في قولِه: {وَجِبْرِيلُ وَمِيكَالَ} [البقرة: 98] .

أسرار المقابلات في السورة:

وبهذا فالسورة صورة واضحة لنِعَم الله الجليَّة التي خصَّ بها قريشًا، فقد أمَّنهم الله حين خاف النَّاس، وأطعمهم حين جاع الناس، وجلب لهم الرّزق من كلّ فج عميق، وحفِظ لهم البيت من هجمة أصحاب الفيل، فواجبهم عبادته - سبحانه - وشكر نعمِه الظَّاهرة.

وفوق ذلك منَّ عليْهِم أن جعل منهم النبيَّ الخاتم - صلى الله عليه وسلم - يعْرفون نسبه وشرفه وأخلاقه؛ قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152] .

وعليه؛ فإنَّ السورة تحوي درسًا في ضرورة مقابلة نعم الله بالشُّكر والعبادة، والإذعان للمولى - عزَّ وجلَّ.

فيا أيّها المؤمنون والمؤمنات، ابحثوا عن نِعَم الله السَّابغة عليْنا من فوقِنا إلى تحتِنا، بل إنَّ مُحيطَنا كلَّه هو في حدِّ ذاته نعم من الله تعالى.

والحمد لله تملأ الميزان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت