لرحلتيهم.
وثالثها: أن يكون الإيلاف هو التهْيئة والتَّجهيز، وهو قول الفرَّاء وابن الأعرابي، فيكون المصدر على هذا القول مضافًا إلى الفاعل، والمعنى لتجْهيز قريش رحلتَيْها حتَّى تتَّصلا ولا تنقطعا، وقرأ أبو جعفر: (ليلاف) بغير همز فحذف همزة الإفْعال حذفًا كليًّا، وهو كمذهبه في {يَسْتَهْزِئُونَ} [الأنعام: 5] وقد مرَّ تقريره [1] .
الأسرار البيانيَّة للام المكسورة في بداية السورة:
من عجائب القرآن الكريم ومعجزاته أنَّ كلَّ حرف فيه هو تحدٍّ صارخ لكلّ البشر على أن يأتُوا بمثله، وفي هذه السورة على قِصَرها معجزة عجيبة ممثَّلة في حرْف اللاَّم المكسورة التي استهلَّتْ بها السورة: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} ،"فاللام في قوله: (لإيلاف) تحتمِل وجوهًا ثلاثة، فإنَّها إمَّا أن تكون متعلّقة بالسورة التي قبلها، أو بالآية التي بعدها، أو لا تكون متعلِّقة لا بما قبلها ولا بما بعدها."
أمَّا الوجه الأوَّل - وهو أن تكون متعلّقة بما قبلها - ففيه احتمالات:
الأوَّل: وهو قول الزجَّاج وأبي عبيدة أنَّ التقدير:"فجعلهم كعصفٍ مأكولٍ لإيلاف قريش"؛ أي: أهلك الله أصحابَ الفيل لتبقى قريش، وما قد ألِفوا من رحلة الشتاء والصيف.
القول الثاني: وهو أنَّ اللام في: {لإيلاف} متعلّقة بقوله: {فَلْيَعْبُدُوا} وهو قوْل الخليل وسيبويه، والتقدير:"فلْيعبدوا ربَّ هذا البيت لإيلاف قريش"؛ أي: ليجعلوا عبادتهم شكرًا لهذه النعمة واعترافًا بها، فإن قيل: فلم دخلت الفاء في قوله: {فَلْيَعْبُدُوا} ؟ قُلنا: لما في الكلام من معنى الشَّرط؛ وذلك لأنَّ نِعَم الله عليهم لا تحصى، فكأنَّه قيل: إن لم يعْبدوه لسائر نِعَمه فليعبده لهذه الواحدة الَّتي هي نعمة ظاهرة.
القول الثَّالث: أن تكون هذه اللام غير متعلِّقة، لا بما قبلَها ولا بِما بعدها، قال الزجَّاج: قال قوم: هذه اللام لام التعجُّب، كأنَّ المعنى: اعجَبوا لإيلاف قريش؛ وذلك لأنَّهم كلَّ يوم يزدادون
(1) "تفسير مفاتيح الغيب"، بتصرف.