والتحاضُّ: التحاثُّ، وقُرِئ: ولا تَحاضُّون على طعام المِسْكِين؛ قرأَها عاصم والأَعمش بالأَلف وفتح التاء، وقرأَ أهل المدينة: ولا تَحُضُّون، وقرأَ الحسن: ولا تَحُضُّون، وقرأ بعضهم: ولا تُحاضُّون، برفع التاء؛ قال الفرَّاء: وكلٌّ صوابٌ، فمَن قرأَ تُحاضُّون فمعناه: تُحافِظون، ومن قرأَ تَحاضُّون فمعناه: يَحُضُّ بعضُكم بعضًا، ومَن قرأَ تَحُضُّون فمعناه: تأْمرون بإِطعامه، وكذلك يحُضُّون، ابن الفرج: يقال احْتَضَضْتُ نفسي لفلان، وابْتَضَضْتُها إِذا اسْتَزَدْتها.
حوصلة: يدفع الكافر بالدين في مكان لا يجب فيه الدفع بل يحرم ههنا، وينتهي عن الدفع في حال يجب فيها الدفع لوجود المصلحة العظمى المتمثِّلة في انتقال الخير إلى غيره، فكأن المكذِّب بيوم القيامة انتكست عنده الفطرة، وانقلبت موازين القيم رأسًا على عقب.
وعلى هذا؛ فإن"حقيقة التصديق بالدين ليست كلمة تقال باللسان، إنما هي تحوُّلٌ في القلب يدفعه إلى الخير والبرِّ بإخوانه في البشرية، المحتاجين إلى الرعاية والحماية، والله لا يريد من الناس كلمات، إنما يريد منهم معها أعمالًا تصدقها، وإلا فهي هباء، لا وزن لها عنده ولا اعتبار" [1] .
سر اتصال السابق باللاحق:
أجمع المفسرون - في العموم - على أن الآيات الثلاث الأُوَل مكية، والآيات الأربع المتبقية من السورة مدنية؛ لأنها تشمل خصائص الآي المدني، فما هو سرُّ ارتباط المكي و المدني في هذه السورة؟
وفي ذلك وجوهٌ؛ أوَّلها: أن هذه السورة عيِّنة على تكامل القرآن الكريم تكاملًا عجيبًا، لا يدعو إلى الشك أو الرَّيب، وفيه دحضٌ لأقوال المستشرقين الذين يقولون بتعدد القرآن الكريم، وعليه فالقرآن الحكيم كلٌّ متكامل.
وثانيها: من حيث اللفظُ: فقد تماسك النصُّ المقدس في هذه السورة بواسطة حرف العطف الفاء، الذي أمسك الآي المكي والآي المدني، وجمع بينهما جمعًا فيه إعجازٌ، ومن حيث المعنى فبيانه: أن إقدامه على إيذاء اليتيم وتركه للحضِّ تقصير فيما يرجع إلى الشَّفَقة على خلق الله، وسهوه في الصلاة تقصيرٌ فيما يرجع إلى التعظيم لأمر الله، فلمَّا وقع التقصير في الأمرين فقد كمُلت شقاوته، فلهذا قال: {فَوَيْلٌ} وهذا اللفظ إنَّما يستعمل عند الجريمة الشديدة كقوله:
(1) سيد قطب،"في ظلال القرآن"سورة الماعون.