المنهج الحق في السورة:
في هذه السورة الكريمة رسم للمنهج الحق الذي ندعو الله - تعالى - أن يثبتنا عليه حتى نلقاه، ومن هنا فلا مجال للتردد، إما أن تكون من أتباع النبي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وإما أن تسلك سبيلًا غير هذا السبيل، والعياذ بالله - تعالى - فالنبيُّ الكريم دعاه ربُّه أن يقول للكافرين بصراحة تامة: أنه لا يعبد ما يعبد هؤلاء المشركون من أصنام وأوثان وأنصاب وأهواء، وأن عبادته تكون لله وحده، ولهذا فإن الله - تعالى - يغضب على كلِّ من اتخذ من دون الله تعالى ندًّا.
وقد جاء في الأثر عن الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما وعن الصحابة أجمعين - قوله: إن لم تطعك نفسك فيما تحملها عليه ممّا تكره، فلا تطعها فيما تحملك عليه ممّا تهوى، فهذا يثبت ضرورة التشبث بالحق في جميع الأحوال.
معنى العبادة في اللغة والقرآن الكريم:
جاء في"مقاييس اللغة"ما نصه: العين والباء والدال أصلانِ صحيحان، كأنَّهما متضادَّان، والأول من ذينِك الأصلينِ يدلُّ على لِين وذُلٍّ، والآخر على شِدّة وغِلَظ، فالأوَّل العَبد، وهو المملوك، والجماعةُ العبيدُ، وثلاثةُ أعبدٍ وهم العِبادُ، قال الخليل: إلاَّ أن العامة اجتمعوا على تفرقةِ ما بين عباد الله والعبيدِ المملوكين، يقال: هذا عبدٌ بيِّن العُبُودَة، ولم نسمَعْهم يشتقُّون منه فعلًا، ولو اشتق لقيل عَبُد؛ أي: صار عبدًا وأقرَّ بالعُبُودة، ولكنّه أُمِيت الفعلُ فلم يُستعمل، قال: وأمّا عَبَدَ يعبُد عِبادةً فلا يقال إلاَّ لمن يعبُد اللهَ - تعالى - يقال منه: عَبَد يعبُد عبادة، وتعبَّد يتعبَّد تعبُّدًا، فالمتعبِّد: المتفرِّد بالعبادة، واستعبدتُ فلانًا: اتخذتُه عبدًا.
وأمّا عَبْد في معنى خَدَم مولاه، فلا يقال: عبَدَه، ولا يقال: يعبُد مَولاه، وأما قولنا: تعبَّدَ فلانٌ فلانًا، إذا صيَّره كالعبد له، وإن كان حُرًّا، قال:
تَعبَّدَني نِمْرُ بنُ سعدٍ وَقَدْ أُرَى ... وَنِمْرُ بْنُ سَعْدٍ لِي مُطِيعٌ وَمُهْطِعُ
ويقال: أعْبَدَ فلانٌ فلانًا؛ أي: جعله عبدًا، ويقال للمشركين: عَبَدة الطاغوتِ والأوثان، وللمسلمين: عُبّادٌ يعبدون الله - تعالى - وذكر بعضُهم: عابدٌ وعَبَدٌ، كخادم وخَدَمٌ، وتأنيثُ العَبْد عَبْدَةٌ، كما يقال: مملوك ومملوكة، قال الخليل: والعِبِدَّاء: جماعة العَبِيد الذين وُلِدُوا في العُبودية، ومن الباب: البعير المعبَّد؛ أي: المهنُوء بالقَطِران، وهذا - أيضًا - يدلُّ على ما قلناه؛ لأن