ذلك يُذِلُّه ويَخفِض منه، قال طرفة:
إِلَى أَنْ تَحَامَتْنِِي الْعَشِيرَةُ كُلُّهَا ... وَأُفْرِدْتُ إِفْرَادَ الْبَعِيرِ الْمُعَبَّدِ
والمعبَّد: الذلول، يوصَف به البعير أيضًا، ومن الباب: الطريق المُعَبَّد، وهو المسلوك المذلَّل.
والأصل الآخَر: العَبَدة، وهي القُوَّة والصَّلابة؛ يقال: هذا ثوبٌ له عَبَدة، إذا كان صَفيقًا قويًّا، ومنهُ علقمة بن عَبَدَة، بفتح الباء، ومن هذا القياس العَبَد، مثل الأنَف والحميّة، يقال: هو يَعْبَدُ لهذا الأمر.
وفسِّر قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف:81] ؛ أي: أوَّلُ مَن غَضِبَ عَنْ هذا وأنِف من قولِه، وذُكر عن عليٍّ - رضي الله عنه - أنّه قال: عَبِدتُ فصَمَتُّ؛ أي: أنِفْتُ فسكَتُّ.
وقال:
وَيَعْبَدُ الْجَاهِلُ الْجَافِي بِحَقِّهِم ... بَعْدَ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ حِينَ لاَ عَبَدُ
وقال آخر:
وَأَعْبَدُ أَنْ تُهْجَى كُلَيْبٌ بِدَارِمِ
أي: آنف من ذلك وأغضبُ منه، في حديث أَبي هريرة: (( لا يَقُل أَحدكم لمملوكه: عَبْدي وأَمَتي، وليقل: فتايَ وفتاتي ) )؛ هذا على نفي الاستكبار عليهم وأَنْ يَنْسُب عبوديتهم إليه، فإِن المستحق لذلك الله - تعالى - هو ربُّ العباد كلهم والعَبيدِ، وجعل بعضهم (العِباد) لله، وغيرَه من الجمع لله والمخلوقين، وخصَّ بعضهم بالعِبِِدَّى العَبيدَ الذين وُلِدوا في المِلْك، والأُنثى عَبدة، قال الأَزهري: اجتمع العامة على تفرقة ما بين عِباد الله والمماليك، فقالوا: هذا عَبْد من عِباد الله، وهؤلاء عَبيدٌ مماليك، قال: ولا يقال: عَبَدَ يَعْبُدُ عِبادة إِلا لمن يَعْبُد الله، ومن عبد دونه إِلهًا فهو من الخاسرين، قال: وأَما عَبْدٌ خَدَمَ مولاه، فلا يقال: عَبَدَه، قال الليث: ويقال للمشركين: هم عَبَدَةُ الطاغوت، ويقال للمسلمين: عِبادُ الله يعبدون الله.
والعابد: المُوَحِّدُ، قال الليث: العِبِدَّى: جماعة العَبِيد الذين وُلِدوا في العُبودِيَّة، تَعْبِيدَةُ ابنُ تعبيدةٍ؛ أَي: في العُبودة إِلى آبائه، قال الأَزهري: هذا غلط، يقال: هؤلاء عِبِدَّى الله؛ أَي: عباده.
وفي الحديث الذي جاء في الاستسقاء: هؤلاء عِبِدَّاكَ بِفِناءِ حَرَمِك؛ العِبِدَّاءُ، بالمد والقصر، جمع العبد.
وفي حديث عامر بن الطفيل: أَنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم: ما هذه العِبِدَّى حوْلَك يا محمد؟ أَراد فقَراءَ أَهل الصُّفَّة، وكانوا يقولون: اتَّبَعَه الأَرذلون، قال شمر: ويقال للعبيد مَعْبَدَةٌ، وأَنشد للفرزدق: