الصفحة 30 من 41

وَمَا كَانَتْ فُقَيْمٌ حَيْثُ كَانَتْ ... بِيَثْرِبَ غَيْرَ مَعْبَدَةٍ ... قُعُودِ

قال الأَزهري: ومثلُ مَعْبَدة جمع العَبْد مَشْيَخَةٌ جمع الشيْخ، ومَسْيَفة جمع السَّيْفِ، قال اللحياني: عَبَدْتُ الله عِبادَة ومَعْبَدًا.

وقال الزجاج في قوله - تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} : المعنى: ما خلقتهم إِلا لأَدعوهم إِلى عبادتي وأَنا مريد للعبادة منهم، وقد علم الله قبل أن يخلقهم من يعبده ممن يكفر به، ولو كان خلقهم ليجبرهم على العبادة لكانوا كلهم عُبَّادًا مؤمنين؛ قال الأَزهري: وهذا قول أَهل السنَّة والجماعة.

{لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} :

المسلم له طريق واضح المعالم، بيّن الهدف والمقصد، فلا يخبط خبط عشواء، بل يسير بخطًى ثابتة رزينة، لا ارتجاج فيها ولا مرج، وعلى هذا تكون الآية إعلانًا للمقاطعة والمفاصلة بين المؤمنين، ومن دونهم من الكفار والمشركين؛ لأن هدفهم هو الإبعاد عن الحق؛ كما في قوله - تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة: 109] .

وقد عبر القرآن الكريم عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم- بأنه ليس متصفًا بعبادة ما يعبدون، ولا هم عابدون ما يعبد، فكان وصفه هو - صلى الله عليه وسلم - في الجملتين بوصفين مختلفين، بالجملة الفعلية تارة وبالجملة الاسمية تارة أخرى، فكانت إحداهما لنفي الوصف الثابت، والأخرى لنفي حدوثه فيما بعد.

أما هم، فلم يوصفوا في الجملتين إلا بالجملة الاسمية الدالة على الوصف الثابت؛ أي: في الماضي إلى الحاضر، ولم يكن فيما وُصفوا به جملة فعلية، والتي من خصائصها التجدد والحدوث، فلم يكن فيها ما يتعرض للمستقبل، فلم يكن إشكال، واللَّه تعالى أعلم.

في هذه السورة منهج إصلاحي؛ وهو عدم قبول ولا صلاحية أنصاف الحلول؛ لأن ما عرضوه عليه - صلى الله عليه وسلم - من المشاركة في العبادة يعتبر في مقياس المنطق حلاًّ وسطًا لاحتمال إصابة الحق في أحد الجانبين، فجاء الردُّ حاسمًا وزاجرًا وبشدة؛ لأن فيه - أي: فيما عرضوه - مساواة للباطل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت