{حبل من مَسَدٍ} ؛ أَي: حبل مُسِدَ أَيَّ مَسْدٍ؛ أَي: فُتِل فلُوي؛ أي: إنها تسلك في النار؛ أي: في سلسلةٍ ممسودة، قال الزجاج: المسد في اللغة: الحبل، إِذا كان من ليف المُقْل، وقد يقال لغيره، وقال ابن السكيت: المَسْدُ: مصدر مَسَدَ الحبل يَمْسُدُه مَسْدًا، بالسكون، إذا أجاد فتله، وقيل: حبل مَسَدٌ؛ أي: ممسودٌ قد مُسِدَ؛ أَي: أُجِيدَ فَتْلُهُ مَسْدًا، فالمَسْدُ المصدر، والمَسَدُ بمنزلة المَمْسُود، كما تقول: نفَضْت الشجر نَفْضًا، وما نُفض فهو نَفَضٌ، ودل قوله - عز وجل: {حبل من مَسَدٍ} : أَن السلسة التي ذكرها الله فُتِلت من الحديد فتلًا محكمًا، كأَنه قيل: في جيدِها حبلُ حديدٍ قد لُوي لَيًّا شديدًا؛ وقوله أَنشده ابن الأَعرابي:
أُقَرِّبُها لِثَرْوةِ أَعْوَجِيٍّ ... سَرَنداةً، لها مَسَدٌ مُغارُ
فسَّره، فقال: أي: لها ظهر مُدْمَج كالمَسَد المُغار؛ أَي: الشديد الفتل.
ومَسَدَ الحبلَ يَمْسُدُه مَسْدًا: فتله.
وكل هذا يوصلنا إلى معنى عظيم، مفاده: أن الله - سبحانه - عاقب هذه المرأة التي اعترضت سبيل الدعوة، وحاكت المتاريس الكثيرة في طريق النبي الأكرم - صلى الله عليه وسلم - بما يناسب عملها الشائن، وهي عبرة لكل من يحاول أن يقف حجرَ عثرةٍ أمام قافلة الدعوة الإسلامية، مهما كان نسبه، أو منزلته، أو ماله، وفي هذا عظة ودرس عظيم لمن يدعي أن الإسلام بالنسب وليس بالعمل.
وجاء في"المعاجم العربية": جارية مَمْسُودةٌ: مَطْويّةٌ مَمْشوقةٌ، وامرأة مَمْسُودةُ الخَلْق: إِذا كانت مُلتفّة الخَلْق ليس في خلْقها اضطراب، ورجل مَمْسُود: إِذا كان مَجْدُولَ الخَلْق، وجارية ممسودة: إِذا كانت حَسَنة طَيّ الخلق.
الجزاء من جنس العمل:
سبب نزول هذه السورة: هو قول أَبي لَهَبٍ لنبي - صلى الله عليه وسلم-: تَبًّا لكَ سائرَ اليَوْمِ، فما معنى التب؟ ولماذا عاقبه الله بنفس كلامه؟
جاء في"المعاجم العربية": أن التَّبَّ هو الخَسارُ، والتَّبابُ أيضًا: هو الخُسْرانُ والهَلاكُ، و"تَبًّا له"على الدُّعاءِ نُصِبَ؛ لأَنه مصدرٌ محمول على فِعْلِه، كما تقول: سَقْيًا لفلان، معناه: سُقِيَ فلان سَقْيًا، ولم يجعل اسمًا مُسْنَدًا إِلى ما قبله، وتَبًّا تَبيبًا على المُبالَغَةِ، وتَبَّ تَبابًا وتَبَّبَه: قال له: تَبًّا، كما يقال: جَدَّعَه وعَقَّره، تقول: تَبًّا لفلان، ونصبه على المصدر بإضمار فعل؛ أي: أَلْزَمه اللّهُ خُسْرانًا وهَلاكًا، وتَبَّتْ يَداهُ تَبًّا وتَبابًا: خَسِرتَا، وكأَنَّ التَّبَّ المَصْدرُ، والتَّباب الاسْمُ، وتَبَّتْ يَداهُ: خَسِرتا،