الصفحة 37 من 41

والخسران المقصود: هو أنه لا يرى الفلاح أبدًا في أي شيء يعمله بيده، بل أصبح الخسران لصيقًا به على الأبد، والعياذ بالله.

ومن هنا نفهم ما جاء في التنزيل العزيز: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} ؛ أي: ضَلَّتا وخَسِرَتا، وقال الراجز:

أَخْسِرْ بِهَا مِنْ صَفْقَةٍ لَمْ تُسْتَقَلْ

تَبَّتْ يدَا صَافِقِهَا، مَاذَا فَعَلْ

وهذا مَثَلٌ قِيل في مُشْتَري الفَسْوِ، والتَّبَبُ والتَّبابُ والتَّتْبِيبُ: الهَلاكُ.

وفي قول أَبي لَهَبٍ:"تَبًّا لكَ سائرَ اليَوْمِ، أَلِهذا جَمَعْتَنا؟!"التَّبُّ: الهَلاكُ، فالبداية كانت تبًّا، والنهاية كذلك.

وتَبَّبُوهم تَتْبِيبًا؛ أَي: أَهْلَكُوهم، والتَّتْبِيبُ: النَّقْصُ والخَسارُ، وفي التنزيل العزيز: {وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} [هود: 101] ؛ قال أَهل التفسير: ما زادُوهم غيرَ تَخْسِير.

ومنه قوله تعالى: {وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ} [غافر: 37] ؛ أَي: ما كَيْدُه إِلا في خُسْرانٍ؛ فكل من تكبَّر عن الحق كان مآله الخسران والهلاك في الدنيا والآخرة، وتَبَّ إِذا قَطَعَ، والتابُّ: الكبير من الرجال، والأُنثى تابَّةٌ، والتَّابُّ: الضعِيفُ، والجمْع أَتْبابٌ، هذلية نادرة، واسْتَتَبَّ الأَمرُ: تَهَيَّأ واسْتَوَى، واسْتَتَبَّ أَمْرُ فلان، إِذا اطَّرَد واسْتَقامَ وتَبَيَّنَ، وأَصل هذا من الطَّرِيق المُسْتَتِبِّ، وهو الذي خَدَّ فيه السَّيَّارةُ خُدُودًا وشَرَكًا، فوَضَح واسْتَبانَ لمن يَسْلُكه، كأَنه تُبِّبَ من كثرة الوطءِ، وقُشِرَ وَجْهُه، فصار مَلْحُوبًا بَيِّنًا من جَماعةِ ما حَوالَيْهِ من الأَرض، فَشُبِّهَ الأَمرُ الواضِحُ البَيِّنُ المُسْتَقِيمُ به.

حاصلة:

إن الزوجة"أم جميل"اختارت الحبل، فقد كانت تحمل حزمة من الشوك والحسك، فتنثرها بالليل في طريق النبي - صلى الله عليه وسلم - لإيذائه، فقد كانت خبيثة مثل زوجها، وقد كانت تنشد:

مُذَمَّمًا عَصَيْنَا ... وَأَمْرَهُ أَبَيْنَا

وَدِينَهُ قَلَيْنَا

أي: أبغضنا، فكان لها الحبل المفتول المحكم في نار جهنم.

والزوج"أبو لهب"اختار التبَّ - الذي هو الهلاك والخسران - فكان له في الدنيا والآخرة، فالجزاء من جنس العمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت