ورضىً وغضبًا وحلًا وترحالًا، عاش حالة واحدة من الصدق والأمانة، فهل الصدق إلا ما كان عليه؟ وهل الأمانة إلا منه وإليه؟
لقد وعده رجل في مكان، فانتظر - صلى الله عليه وسلم - في ذلك المكان ثلاثة أيام، ليفي بوعده. لقد عاهد المشركين واليهود وهم أشد الناس عداوة له، فما خان ولا خلف بالعهد، ولا نقض لميثاق. وحق له أن يكون أوفى الناس بوعده وأصدقهم في عهده، وهو الذي جاء بشريعة الصدق والوفاء، وحذّر من الخيانة ونقض الميثاق، أليس هو القائل: (آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) أخرجه البخاري [33، 2682] ومسلم 59 عن أبي هريرة رضي الله عنه. وهو الذي نزلت عليه: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا} ، وقوله: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ} [الرعد: 20] .
وإذا أخذت العهد أو أعطيته ... = ... فجميع عهدك ذمّة ووفاء
{وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء: 63] .
ولسانٌ صيرفيٌّ صارم ... = ... كذباب السيف ما مسّ قطع
منطق كالفجر أو كالغيث ما ... = ... شانه عيب كنورٍ قد سطع
طالع دفتر بيانه عليه الصلاة والسلام، وتأمّل ديوان فصاحته، كلام لعمري يأخذ بالقلوب، وحديث والله يأسر الأرواح، صحة مخارج وإشراق عبارة وحسن ديباجة، وانتقاء ألفاظ، ورصانة جمل، حتى كأنّ حديثه روض فوّاح، أو حديقة غنّاء باكرها الغيث وصحبتها الصبا، وداعبها النسيم، وقد آتاه الإعجاز في إيجاز، والبلاغة في اختصار، وقد أخبر بذلك فقال: (أوتيت جوامع الكلم) أخرجه البخاري 2977 ومسلم 523 واللفظ له