كيف لا يحبه أصحابه بل كل مسلم وهو لا يزاول طاعة إلا والرسول - صلى الله عليه وسلم - نصب عينيه في طهارته وصلاته وصيامه وزكاته وحجّه وذكره وعقيدته وخلقه وسلوكه، كيف لا يحبه وكلما فعل خيرا فإنما إمامه محمد - صلى الله عليه وسلم -، أو قام بقربة فقدوته محمد - صلى الله عليه وسلم -، أو أحسن في حياته فأسوته محمد - صلى الله عليه وسلم -، أو أسدى جميلا أو قدّم معروفا فمثله الأعلى محمد - صلى الله عليه وسلم -.
المصلحون أصابع جمعت يدا ... = ... هي أنت بل أنت اليد البيضاء
كيف لا يحبه الإنسان وحديثه يرنّ في الأذن ويعبر إلى القلب بكل فضيلة وكل خلق شريف وسجايا نبيلة، داعيا إلى الصدق والعدل والسلام والرحمة والتآخي والإحسان، محذرا من الفجور والفسوق والعصيان والظلم والاعتداء والبغي والإجرام .. فميلاد الإنسان الميلاد الثاني يوم اتبع هذا الرسول - صلى الله عليه وسلم -، واقتدى بهذا النبي الأمي:
أخوك عيسى دعا ميتا فقام له ... = ... وأنت أحييت أجيالا من الرمم
وسعادة العبد إنما هي في الاهتداء بهدي هذا الإمام المعصوم، لأنه الوحيد من الناس الذي يدور معه الحق حيثما دار، فعلى قوله تعرض الأقوال، وعلى فعله توزن الأفعال، وعلى حاله تقاس الأحوال: (وإنّك لتهدي إلى صراط مستقيم) .
من نحن قبلك إلا نقطة غرقت ... = ... في اليمّ أو دمعة خرساء في القدم
إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا ... = ... كفى بالمطايا طيب ذكرك هاديا
وإني لأستغشي وما بي غشوة ... = ... لعلّ خيالا منك يلقى خياليا
كانت البركة فيه ومعه وعنده عليه الصلاة والسلام، فكلامه مبارك، يقول الكلمة الموجزة فتحمل في طياتها العبر والعظات ما يدهش لروعتها العقل حسنا وبلاغة، ويلقي الخطبة فيجعل الله فيها من النفع والتأثير والبركة ما يبقى صداه في الأجيال جيلا بعد جيل.
والبركة في عمره - صلى الله عليه وسلم -، فقد عاش ثلاثا وعشرين سنة في إبلاغ رسالته ليس إلا، فكان في هذه الفترة الوجيزة من الفتح والنصر والنفع والعلم والإيمان والإصلاح ما لا يقوم به