كانوا قبل دعوته كالبهائم السائمة، لا إيمان، ولا أدب ولا صلاة، ولا زكاة، ولا نور، ولا صلاح، حياة مظلمة من عبادة الأصنام وملابسة الفواحش ومعاقرة الخمر وسفك الدماء والسلب والنهب، فليس لهم في الحياة رسالة، وما عندهم عن الله خبر، وما لديهم من أمر الدنيا نبأ، فهم في غيّهم يعمهون.
قلوب أقسى من الحجارة، ونفوس أظلم من الليل، وبؤس أشد بشاعة من الموت، فلا عقل محفوظ، ولا دم معصوم، ولا مال حلال، ولا عرض مصان، ولا نفوس راضية، ولا أخلاق قويمة، ولا مجتمع يحترم الفضيلة، ولا شعب يحمي المبادئ.
فلما أراد الله إنقاذ هذه البشرية وإسعادها وصلاحها وفلاحها بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم -، فكأن الناس ولدوا من جديد، وكأن وجه الدنيا تغير، وكأن الأرض لبست ثوبا آخر، فالوحي يتنزل على هذا الإمام من لدن لطيف خبير، وجبريل يغدو ويروح بشريعة نسخت الشرائع، فيها سعادة العباد، وصلاح البشر، وعمارة الأرض .. فمسجد يبنى، ورقبة تعتق، وصدر يعمر، وجسد يطهر، وصلاة تؤدى، ومصحف يتلى، وآية تفسّر، وحديث يشرح، وراية تعقد، وحضارة تبنى، وأمة تحرّر {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الجمعة: 2] .
لقد أحبّ الصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه وصلهم بالله ودلّهم على رضوانه، وهداهم إلى صراطه المستقيم. وإنهم لمعذورون في هذا الحب لأنه أقل ما يجب عليهم نحو هذا الرسول المعصوم والنبي الخاتم، الذي جاء إليهم وهم عاكفون على أصنامهم، فصاح بهم: (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) أخرجه أحمد 18525 والحاكم 39، وصلى بهم وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) أخرجه البخاري 631، وحجّ بهم وقال: (خذوا عني مناسككم) أخرجه مسلم 1297، وعلمهم السنة وقال: (من رغب عن سنتي فليس مني) أخرجه البخاري 5063 ومسلم 1401، ودعاهم إلى التقوى وقال: (إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا) أخرجه البخاري 20. فالله أنقذهم به من النار، وبصّرهم من العمى، وعلّمهم به من الجهل، وأصلحهم بعد الفساد، وهداهم بعد الضلالة، وأرشدهم بعد الغي.