ويقول - صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) أخرجه البخاري [1،54] ومسلم 1907 عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فيكفي ويشفي ويفي المقصود، ويستولي على المعاني ويطوي مسافات من الأحكام والعقائد والآداب والأخلاق في جملتين زاهيتين جامعتين، فتصبح قاعدة للعلماء ومثلا للحكماء وكلمة شاردة للأدباء.
وخذ مثلا كلامه على البديهة والفجاءة: يدخل طفل من الأنصار له طائر يلعب به فمات فيقول: (يا أبا عمير ما فعل النغير؟) أخرجه البخاري [6129، 6203] ومسلم 2150 عن أنس بن مالك رضي الله عنه، انظر إلى تقابل العبارة وحسن السجعة وموازنة الجملتين.
ويقول في حنين على وجه العجلة: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) أخرجه البخاري [2864، 2874] ، ومسلم 1776 عن البراء بن عازب رضي الله عنه.
فلو أن علماء الكلام وأساطين البيان أرادوا هذا الكلام على عجلة من أمرهم لما تأتّى لهم.
ولا غرابة ان يكون - صلى الله عليه وسلم - أفصح الناس فإن معجزته الكبرى وآيته العظمى هو القرآن الذي أدهش الفصحاء وأفحم الشعراء وأذهل العرب العرباء، فلا بد أن يكون هذا النبي الموحى إليه بدرجة سامية من البيان الخلاب الجذاب الذي يستولي على الألباب.
{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ} [النساء: 127] .
يطاوعه اللفظ العصيّ إذا قضى ... = ... ويسعفه الرأي الأصيل إذا جرى
إذا ظنّ ظنًّا قلت صبحٌ مؤلقٌ ... = ... كأنه صريح البرق من ظنّه سرى
كان عليه الصلاة والسلام مؤيدا من ربه في علم الفتيا، فقد فتح الله عليه أبواب المعرفة وكنوز الفهم، فكان عنده جواب لكل سائل على حسب حاله وما يصلح له وما ينفعه في دنياه وأخراه.