غيره في قرون ولا دهور، ففي ثلاث وعشرين سنة فحسب، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة وعلّم القرآن ونشر السنة، وقضى على الكفر، وأسّس دولة العدل، وأقام أعظم حضارة راشدة عرفتها الإنسانية.
وانظر إلى بركة يوم واحد من أيامه عليه الصلاة والسلام، وهو يوم النحر، اليوم العاشر من حجه - صلى الله عليه وسلم - على سبيل المثال، ففي هذا اليوم الواحد صلى الفجر بمزدلفة ودفع إلى منى وهو يلبّي ويذكر الله ويدعوه، ويعلم الناس المناسك، ويفتي الحجاج، ثم رمى جمرة العقبة، ثم حلق ثم نحر ثم ذهب إلى المسجد الحرام فطاف، ثم صلى الظهر، وهو مع ذلك يرشد الناس ويوجّههم .. هذا إلى صلاة الظهر فقط، مع أن وسيلة النقل ناقته - صلى الله عليه وسلم -، مع بعد المسافة وكثرة الزحام وحرارة الجو ووقوفه للناس يسألونه، فسبحان من بارك في لحظات عمره ودقائق حياته:
مرّت سنين بالسعود وبالهنا ... = ... فكأنها من حسنها أيام
وبورك له - صلى الله عليه وسلم - في آثاره، فقد مرّ بصاحب قبرين يعذبان، أحدهما كان لا يتنزه من البول، والآخر كان يمشي بالنميمة بين الناس، فشقّ - صلى الله عليه وسلم - عصا خضراء كانت معه وغرسها على القبرين وقال: (أرجو أن يخفف عنهما من العذاب حتى تيبسا) أخرجه البخاري [216، 218] ومسلم 292 عن ابن عباس رضي الله عنهما. وهذا خاص به، ولا يكون إلا له - صلى الله عليه وسلم -، لما جعل الله فيه من البركة.
ومرض علي ابن أبي طالب بالرمد يوم خيبر، حتى أصبح لا يرى شيئا، فنفث عليه - صلى الله عليه وسلم - فأبصر بإذن الله في الحال لبركة دعائه ونفثه:
مرض الحبيب فزرته ... = ... فمرضت من خوفي عليه
وأتى الحبيب يزورني ... = ... فشفيت من نظري إليه
وكان الجيش في الخندق ألف رجل قد بلغ بهم الجوع مبلغا عظيما، فدعا جابر بن عبد الله الرسول - صلى الله عليه وسلم - وثلاثة معه على عناق من ولد الماعز ذبحها وشيء من طعام الشعير، ... فدعا - صلى الله عليه وسلم - الجيش جميعا وسبقهم، ودعا على الطعام ونفث، ثم أدخلهم عشرة عشرة، فأكلوا جميعا وشبعوا جميعا وبقي الطعام بحاله، ووزع على أهل المدينة، فما بقي بيت إلا دخله