فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 78

ويرى - صلى الله عليه وسلم - ضعف أبي ذر وقلة تحمّله فيأمره باجتناب الإمارة، لأنه ضعيف، وهي أمانة وخزي وندامة يوم القيامة، لأن مثل أبي ذر له أبواب في الخير يجيدها غير باب الولاية، فانظر لفطنته - صلى الله عليه وسلم - ومعرفته بمواهب الناس إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: 4] .

ويقول - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: (إنك تأتي أقواما أهل كتاب) أخرجه البخاري [1458، 1496] ومسلم 19 عن ابن عباس رضي الله عنهما. وذلك لينبّه معاذا إلى معرفة أقدار المخاطبين، والاطلاع على أحوالهم ليقول لهم ما يناسبهم.

ويوصي معاذا ـ وهو رديفه على حمار ـ بحق الله على العبيد وحق العبيد على الله؛ لأن معاذا عالم داعية تناسبه هذه الوصية الكبرى، وسوف يبلغها للأمة، لأنه في مكان التوجيه والإرشاد والنصح، وهذا الذي فعله معاذ في حياته. ولو كان أعرابيا لما ناسبه هذا الكلام.

وجاءه حصين بن عبيد فسأله: (كم تعبد؟ قال: سبعة، واحدا في السماء وستة في الأرض، قال: من لرغبك ورهبك؟ قال: الذي في السماء، قال: فاترك التي في الأرض واعبد الذي في السماء ثم قال له: قل اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شرّ نفسي) ، اخرجه الترمذي 3483 واللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة 1184 عن عمران بن حصين رضي الله عنه وانظر المشكاة 2476. فهذا الدعاء يناسب حال حصين بن عبيد وما كان فيه من أمر مريج ومن اشتباه حال وشكّ مريب وفوات رشد وبعد صواب، فناسب أن يطلب الرشد من ربّه وأن يستعيذ من شرّ نفسه كل بلاء منها.

وأرشد - صلى الله عليه وسلم - علي ابن أبي طالب رضي الله عنه إلى أن يقول: (اللهم اهدني وسدّدني) اخرجه مسلم 2725 عن علي رضي الله عنه. وهذا يناسب حال علي، فإنه عاش حتى أدرك اختلاف الأمور وظهور الفتن والتباس الحال التي تتطلب الهداية من الله في هذا الجو المظلم، وطلب السداد من الحيّ القيوّم عند هذه الواردات والآراء والأهواء.

فسبحان من ألهم رسوله وفتح على نبيه وأفاض عليه من مكنون الفهم ومخزون الفقه ما فاق الوصف وجلّ عن المدح:

قطف الرجال القول قبل نباته ... = ... وقطفت أنت القول لمّا نوّرا

فهو المشيع بالعيون ... = وهو المضاعف حسنه إن كرّرا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت