الصفحة 640 من 722

الخلفية الاجتماعية لبناء الدولة في أوربا

تعد أوربا ومستعمراتها) استثنائية من حيث أن الانتقال من القرابة المركبة حدث أولا على المستويين الاجتماعي والثقافي وليس السياسي. وعبر تغيير القواعد الناظمة للزواج والإرث، مارست الكنيسة بمعنى من المعاني الفعل السياسي ولدوافع اقتصادية، لكنها لم تكن الحاكم التمتع بالسيادة على الأراضي التي تشتغل فيها؛ بل كانت لاعبة اجتماعيا يكمن تأثيره النافذ في قدرته على وضع القواعد الثقافية. ونتيجة لذلك، وجد مجتمع أوربي أكثر فردانية في العصور الوسطى، قبل أن تبدأ عملية بناء الدولة، وقبل قرون من الإصلاح الديني، والتنوير، والثورة الصناعية وبدلا من أن يكون التغيير في الأسرة عاقبة لهذه التحولات التحديثية الكبرى، كان أقرب إلى الشرط الميسر لقيام التحديث في المقام الأول، ولم يكن على الاقتصاد الرأسمالي البازغ في إيطاليا وإنكلترا وهولندا في القرن السادس عشر التغلب على معارضة جماعات قرابية كبيرة ومنظمة تسعى لحماية أملاكها الفخمة، كما كانت الحال في الهند والصين، بل تجذر في مجتمعات امتلكت فعلا تقاليد الملكية الفردية حيث يتم تبادل الأملاك بصورة روتينية بين ملاك لا تربطهم صلات القربي.

لا يعني ذلك كله القول إن بناة الدولة الأوربية عبروا أرضا سهلة خالية من المؤسسات الاجتماعية المتحصنة، بل على العكس تماما: حين استكمل قصة أصول الدولة الأوربية في الفصل الحادي والعشرين، سوف نرى أن وجود تشكيلة متنوعة وكاملة من اللاعبين الاجتماعيين الأقوياء مثل عاملا حاسم الأهمية في إقامة حكم القانون والحكومة الخاضعة للمحاسبة، لم تكن هناك عشائر أو قبائل، بل طبقة متخندقة من النبلاء راكمت عناصر الثروة والقوة العسكرية والموقع القانوني في أثناء العصر الإقطاعي.

وأحدثت حقيقة أن هذه المؤسسات الاجتماعية كانت إقطاعية لاقرابية المرتكز فارقة هائلا في التطور السياسي اللاحق لأوربا. فقد كانت علاقة التبعية الإقطاعية عقدة طوعبأ بين فرد قوي وآخر ضعيف، کا استدعت التزامات قانونية من الطرفين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت