فهرس الكتاب
ناقشت حتى هذه النقطة التطور السياسي فيما يتعلق ببناء الدولة، وقدرة الدول على تركيز السلطة واستخدامها. أما حكم القانون فهو مكون منفصل عن النظام السياسي يضع حدودة مقيدة لسلطة الدولة. لم تكن أول كوابح السلطة التنفيذية تلك التي فرضتها الجمعيات التمثيلية أو الانتخابات الديمقراطية. بل كانت نتيجة اعتقاد المجتمعات بأن على الحكام الاشتغال تحت مظلة القانون. ولذلك يتعايش بناء الدولة وحكم القانون في حالة من التوتر. فمن جهة، يمكن للحكام تعزيز سلطتهم بالعمل ضمن إطار القانون وباسمه. ومن ناحية أخرى، يمكن للقانون أن يمنعهم من فعل ما يريدون، لا من أجل مصالحهم الخاصة فقط، بل مصلحة المجتمع ككل. ومن ثم تعرض حكم القانون باستمرار للتهديد من الحاجة إلى توليد السلطة السياسية، بدءا بالملوك الإنكليز الذين أرادوا في القرن السابع عشر زيادة العائدات من دون العودة إلى البرلمان، وانتهاء بحكومات أميركا اللاتينية التي حاربت الإرهاب في القرن العشرين بفرق الموت الخارجة عن القانون.
التشوش المعاصر فيما يتعلق بحكم القانون
تكمن أخطر الشروخ والعيوب السياسية في البلدان النامية المعاصرة في الضعف النسبي لحكم القانون. ومن بين جميع مكونات الدول الحالية، تعد المؤسسات القانونية الفعالة الأصعب بناء ربها. إذ تنبثق المؤسسة العسكرية والسلطة الضريبية بشكل طبيعي من غرائز الطمع الأساسية لدى البشر، وليس من الصعب على أمير الحرب تشكيل ميليشيا واستخدامها للحصول على الموارد من المجتمع المحلي، وعلى الطرف الآخر من الطيف، من السهل نسبيا تنظيم انتخابات ديمقراطية (وإن كانت مكلفة) ، وتوجد اليوم بنية تحتية دولية ضخمة للمساعدة على تسهيل إجرائها. من ناحية أخرى، يجب نشر المؤسسات القانونية في مختلف أرجاء البلد والحفاظ عليها باستمرار. وهي تتطلب مرافق مادية إضافة إلى استثمارات كبيرة في تدريب المحامين والقضاة وغيرهم من مسؤولي المحاكم، مثل رجال الشرطة الذين يطبقون القانون في نهاية المطاف، لكن الأهم أن تعد المؤسسات القانونية سلطة شرعية ومرجعية، لا من