فهرس الكتاب
البريطانية أولا، والرومان الذين غزوهم، والبرابرة الجرمان الذين أزاحوا الرومان، كانوا جميعا منظمين أصلا على شكل قبائل أشبه ما تكون بالقبائل الموجودة الآن في أفغانستان ووسط العراق وبابوا غينيا الجديدة، كذلك كان الصينيون والهنود والعرب والأفارقة، وجميع الشعوب الأخرى على وجه الأرض تقريبا. كلهم كان ولاؤهم الأول لذوي القربى، لا للدولة؛ وكلهم حلوا نزاعاتهم عبر نظم عدالة جزائية انتقامية، لا عبر المحاكم؛ وكلهم دفنوا أمواتهم في أراض تعود ملكيتها الجماعية لفئات الأقارب.
لكن، مع مرور الزمن، طورت تلك المجتمعات القبلية عدة مؤسسات سياسية في مقدمتها المصدر المركزي للسلطة، الذي مارس احتكارا فاعلا لاستخدام القوة العسكرية فوق قطعة أرض محددة - أو ما نسميه الدولة. لم تعد توازنات القوة الغاشمة بين مجموعات الأقارب تحفظ السم، بل يحفظه جيش الدولة وجهاز شرطنها، اللذان أصبحا الآن قوة منظمة على الأرض نستطيع أيضا الدفاع عن المجتمع ضد القبائل والدول المجاورة. ولم تعد ملكية الأرض جماعية، تتوزع على فئات القرابة، بل أصبحت ملكية فردية أكتسب الأفراد حقوق شرائها وبيعها مني شاؤوا، کالم تعد حقوق ملكية الأفراد محمية بسلطة القرابة، بل بسلطة المحاكم والأنظمة القضائية التي أمتلكت حق حل النزاعات والتعويض عن الأضرار والإساءات
مع مرور الزمن أيضا، صبغت القواعد الاجتماعية على شكل قوانين مكتوبة بدل تركها عادات و تقاليد وأعرافا غير رسمية واستخدمت تلك القواعد الرسمية التنظيم عملية توزيع السلطة داخل النظام، بغض النظر عن الأفراد الذين يمارسونها والفترة الزمنية التي يمارسونها فيها. بعبارة أخرى، حلت المؤسسات محل القادة والزعماء الأفراد، ومنحت الأنظمة القضائية والقانونية في نهاية المطاف السلطة العليا في المجتمع، وهي سلطة اعتبرت أعلى من سلطة الحكام الذين يتولون آنية قيادة قوات الدولة المسلحة وبيروقراطيتها. هذا ما أصبح يعرف باسم حكم القانون