فهرس الكتاب
تمكنت الكنيسة من تحسين سلوكها وأدائها. فقد استأصل تبتل الرهبانية إغراءات الميراثية ومنح الإقطاعات والمراتب الكنسية المجزية للأقرباء والأبناء، وأضاف نبرة أخلاقية جديدة إلى بيع عناصب الكنيسة، أمكن للكنيسة أيضا أن تجيي ضرائبها على شكل أعشار، ومع فك ارتباط الرهبنة بالسياسة العشائرية المحلية، أصبحت أكثر قدرة على التصرف بمصادرها المالية، اتخذت الكنيسة كثيرة من السمات المميزة للدولة الحقيقية، وحشدت أحيانا قواتها العسكرية، وأعلنت أمتلاك سلطة قانونية مباشرة على أرض محددة (وإن كانت صغيرة المساحة) .
لم يتوقف انخراط الكنيسة في الشؤون الزمنية / الدنيوية بالطبع مع الصراع على تقليد المناصب. فقد أستمر الحكام في محاول استغلال البابوية لمصلحتهم وتنصيب مرشحيهم، مثل باباوات أفينيون في القرن الرابع عشر. ويمرور الوقت، ظهرت تجاوزات جديدة عبدت الطريق في نهاية المطاف للإصلاح البروتستانتي، لكن الكنيسة الكاثوليكية تأسست بدرجة أكبر على مستوى القابلية للتكيف، والتعقيد، والاستقلال الذاتي، والتلاحم، مقارنة بالمؤسسات الدينية في أي ديانة عالمية أخرى
تمثلت العاقبة المهمة الثانية للصراع على تقليد المناصب في الفصل الواضح بين المجالين الروحي والزمني، ومن ثم تمهيد الطريق أمام الدولة العلمانية الحديثة. كان هذا الفصل، كما لاحظنا سابقا، حاضرا في المسيحية لكن بصورة مستترة. وأنهت اتفاقية ورمزا بشكل شامل عصر ابابوية القيصرا في تاريخ الكنيسة الغربية، وهذا لم يحدث قط لا في الكنيسة الشرقية ولا في العالم الإسلامي.
سعى الإصلاح الغريغوري إلى تقليص سلطة الحكام السياسيين عبر الزعم بامتلاك السلطة الشاملة على الشؤون الروحية والزمنية كلها، ومنها الحق في عزل الملوك والأباطرة. وفي الواقع، كان البابا المسيحي يطالب بأمتلاك السلطة ذاتها التي
حظي بها البراهمة في الهند منذ البداية. لكن في الممارسة العملية، أجبرت الكنيسة بعد نهاية صراع سياسي و عسکري طويل على القبول بتسوية: حددت مجالأ روحية واضح المعالم تمارس فيه سيطرة لا جدال فيها، واعترفت بحق الحكام الدنيويين في