في هذه الأقاليم التي كانت تضرب عليها الوثنية بجرانها أجبر المسلمون المقيمون فيها على ترك الإسلام، فإما التنصر أو النفي أو الموت.
أما اليهود الذين عاشوا في أوروبا في العصور الوسطى، فلم يشجعوا أحدا على الاستقرار والإقامة بينهم، مما صعب الموقف بالنسبة للمسلمين الذين يرغبون في ممارسة شعائرهم كبناء الجوامع، والحمامات، وذبح الحيوانات وإعدادها حسب الشريعة الإسلامية وبعض المتطلبات الأخرى التي تتعارض مع هذه المجتمعات غير المسلمة.
ولقد ترك أسامة بن منقذ - وهو سوري مسلم - مجلدات مهمة خاصة بعض الذكريات التي ذكر فيها - وكان ذلك في القرن الثاني عشر - أن أحد جيرانه في سوريا كان من فرسان الفرنجة، وقد أنشأ معه صداقة طيبة، وقبيل رحيل الفارس إلى بلاده .. اقترح على أسامة أن يسمح لإبنه البالغ من العمر أربعة عشر عاما في أن يرافقه إلى بلدته ليعيش بين الفرسان، ويتعلم الفروسية والحكمة.
كان الفارس يظن أن هذا الاقتراح تقدير منه للصداقة التي بينه وبين أسامة، أما أسامة فرأى أن هذا اقتراح سخيف، وكلام ينفيه العقل، يتفوه به رجل يتحدث عن الحكمة، فكيف أن يترك ابنه يؤخذ، وكأنه أسير حرب بساق إلى أرض الفرنجة؟
قال أسامة للفارس: كنت أفكر في هذا الأمر، ولكن الذي يمنعني عن الموافقة أن جدة الغلام تحبه حبا جارفة، ولا تسمح له بالخروج معي إلا إذا أقسمت بأنني سأعود به إليها.
فقال له الفارس: أما زالت أمك على قيد الحياة؟ فقال أسامة: نعم .. فقال الفارس: إذن يجب أن لا تعصي أمك).
مما سبق نستنتج أن الرحلات إلى أوروبا لم تكن مهمة للتجارة أو الأغراض الدبلوماسية فقط، ولكن لتوطيد العلاقة أيضا، لذلك فقد كان حكام المسلمين يفضلون إرسال أحد أتباعهم من المسيحيين أو اليهود، الذين يمكنهم إنشاء اتصالات مع المجتمعات الدينية التابعة لها أوروبا، وخلف حدود الأراضي الإسلامية، وبالتالي ..