الصفحة 266 من 356

حينذاك كانت الدولة النصرانية تعد هذه الأغراض إعدادا حسنا، فكان لديهم الأشخاص الذين يتحدثون بلغات بلدان الشرق الأوسط، وكان لديهم موظفون دالمون وعملاء في الطوائف المتعددة المستقرة في بلدان المسلمين في الشرق الأوسط. وهناك معلومات تؤكد أن الإمبراطور البيزنطي والدول النصرانية والأوروبية والحديثة، والدول الإسلامية، جميعهم كانوا يقومون بعمليات التجسس، ولكن نشاط المسلمين في ذلك كان محدودة للغاية، حيث لم تكن لديهم طوائف إسلامية تعيش مستقرة في أوروبا.

وتعود مرة أخرى إلى أوروبا، حيث تطور ذلك النظام الذي عرف باسم ' الكارنتينا - أي الحجر الصحي - الذي كان يفرض فترة انتظار، تصل إلى أربعين يوما على الزوار تفاديا لانتشار بعض الأمراض داخل مدينة البندقية، فقامت السلطات بهذه المدينة بتنفيذ هذا النظام في القرن الخامس عشر على كل من يأتي من الدولة العثمانية، ومنذ ذلك الحين صار الحجر الصحي الوسيلة المهمة لحماية أوروبا من التلوث (10) .

ثم صار هذا النظام يطبق على جميع الزوار مهما كانت ديانتهم أو جنسيتهم أو مكانتهم الاجتماعية، سواء كان سفيرا أو تاجرا أو أحد الرعايا أو من الحجاج، ولكن السفراء المسلمين كانوا يعدون نظام الحجر الصحي هذا نوعا من الإهانة، لأنه أثناء فترة حجزهم بالحجر الصحي كان الناس يتجمعون حولهم لمشاهدتهم، فيقول السفير محمد سعيد الذي احتجز بالحجر الصحي بمدينة 'جيت بجنوب فرنسا:"عندما كنت أهم بالسير داخل الحجر الصحي كانت حشود من الناس تقف تنظر ناحيتي، وخصوصا النساء، فكن يستجمعن في مجموعات كل منها تتكون من عشرة سيدات، ويجلسن بالساعات يتفحصن المرء منا" (1) .

ويقول فاسيف افندي: كنت أحاط بحشد كبير من المتفرجين الذين كانوا يحيوننا من مسافة بعيدة، وكانوا ينظرون إلينا في دهشة، وكأنهم لم يروا رجالا قط من عالمنا، ولكنني كنت أعلم بدهشتهم، لأني جئت من بيئة تختلف عن بيئتهم 30).

وأرسل عزمي عام 1790 من برلين، يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت