الصفحة 322 من 356

من مسح جغرافي وسياسي للدول والبلدان الأوروبية، والجزء الثاني يتكون من التاريخ المختصر للاباطرة والبابوات، ولقد استفاد رشيد الدين بشكل واضح من الكتابات العربية والفارسية المبكرة عن أوروبا، غير أن كثيرا من معرفته جديدة، ولم تطرق من قبل. وفكرته عن علاقات البابا والإمبراطور تم تفصيلها، وهي تأتي بوضوح من بعثة باباوية، وكانت لديه معرفة مناسبة باحتفالات التتويج الإمبراطوري، ولقد سمع عن صوف انجلترا القرمذي، وعن جامعات باريس وبولونيا، وعن بحيرات البندقية وعن جمهوريات إيطاليا واختفاء الثعابين من ايرلندا. وكل هذا يمثل تقدما ملحوظا في المعرفة، وحتي عبارته الغامضة بأن حاكم الجزيرتين (ايرلندا وانجلترا) يكون اسكتلنديا، وأنهما يبعثان بالجزية إليه ربما يكون فيها شيء من الحقيقة.

إن تاريخه للأباطرة والباباوات ينتهي بالإمبراطور البرت الأول والبابا بيند کت الحادي عشر، وكلاهما يوصف بطريق صحيح؛ حيث كانا يعيشان في ذلك العصر. وهذا لا يتضمن أكثر من اختصار لمارتن الراجع إلى هذا التاريخ. وفكرته عن أوروبا واهية وسطحية وأحيانا غير صحيحة، وبالمقارنة بينها وبين معالجته الطويلة والمملة للحضارات الأخرى مثال حضارة الهند والصين، فإن هذه الفكرة تبدو شيئا تافها، ولكن بعد القائمة القصيرة الخاصة بحلول الفرنجة، التي قدمها المسعودي يبدو أن هذه هي الحالة الوحيدة التي قام بها مؤلف إسلامي في العصور الوسطى ليحدد معالم تاريخ أوروبا المسيحي، ولم تتم المحاولة الثالثة إلا في العصور العثمانية في القرن السادس عشر. وخلال فترة العصور الوسطى ظل الإسلام يهمل ولا يهتم بالشعوب الكافرة أو بماضيها، تلك الشعوب التي عاشت في الأراضي الواقعة إلى شمال البحر المتوسط. والشيء المميز الملاحظ هو أن مفكرا عظيما وأصيلا مثل ابن خلدون نفسه - وموطنه تونس إحدى البلاد المسلمة التي على دراية كبيرة ومباشرة بالغرب - شارك في هذا الإهمال العام. وأثارت المناقشة العظيمة للصليبيين، الواضحة جدا في التاريخ الغربي، موجة من الغموض في البلاد الإسلامي. وحتى التطور السريع للعلاقات التجارية والسياسية مع أوروبا بعد الصليبين، يبدو أنه لم يثر أي رغبة في التوغل في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت