واثناء الحرب الباردة كانت الرموز والصور الأمريكية - السوق الحرة ومعاداة الشيوعية والخوف من قوة الدولة والإيمان بالتكنولوجيا - لها وظيفة تنبؤية؛ فما يكون في امريكا اليوم هو ما سيكون في العالم غذا. وفي حين تعود العالمية و التنبؤ الأمريكيان بجذورهما إلى الأصول الثورية للدولة، فإن مظاهرهما الأيديولوجية قد تطورت على نحو أبطأ، وعانت حلولا وسطا بين أفكار متناقضة. وكما يقول المؤرخ مايكل هنت Michael Hunt فإن الشكل الخارجي لهذه الرموز يعود إلى حقبة الثورة بينما محتواها قد يكون معاصر بشكل مذهل (32) . ولذا فمن المجدي الحديث عن أيديولوجية أمريكية تضرب بجذورها إلى مائتي عام، لكنها في الأن نفسه تمثل أيديولوجية معاصرة يمكن من خلالها تفسير تجارب الأجيال وحل الصراعات الفكرية
إن تاريخ التدخلات الأمريكية في العالم الثالث لهو - إلى حد بعيد - تاريخ تطور هذه الأيديولوجية عبر الزمن وأسلوب تشكيلها لسياسات النخبة الموجهة للسياسة الخارجية الأمريكية. ورغم أنه كانت هناك فترات من المعارضة الداخلية الشديدة السياسات المتبعة، فإن فترة الحرب الباردة نمثل فترة كان بها إجماع ملحوظ - وفقا للمقاييس الأمريكية - على الأهداف المباشرة والوسائل المطروحة للسياسة الأمريكية في الخارج. هذا الافتقار النسبي إلى النقاش السياسي كان يؤدي أحيانا بالأكاديميين إلى تبسيط العلاقة بين الأيديولوجية والممارسة في كيفية إدارة واشنطون للسياسات العالمية، ولكن، كما يظهر في أصل علاقات امريكا بالعالم وبداية هذه العلاقات، فقد نشأ وتطور الإجماع بشأن الحرب الباردة عن صراعات
عميقة في الماضي، حول دور الجمهورية الديمقراطية والوسائل التي تستطيع أن تستخدمها لكي تؤثر في الآخرين.