بسم الله الرحمن الرحيم
سميت هذه السورةُ الكريمةُ [1] بسورة مريم، حيث وردت فيها قصتها رضي الله عنها.
وفي ذلك تكريمٌ لها وتخليدٌ لذكرها، وتسجيلٌ لمآثرها ومناقبها، وتقديرٌ لصدقها وعفَّتها، فضلا عما تحويه قصتُها من نموذجٍ عمليٍّ فريدٍ ومثالٍ تطبيقيٍّ رشيدٍ، للمرأةِ العفيفةِ الطاهرةِ العابدةِ الزاهدة.
ولسوف نرى في هذه القصة: كيف تجلت الرحماتُ وتنزلت البركاتُ على هذه الصّديقة، التي عاشت حياتها في كنف الرحمن، وعلى مائدته العامرة تغذتْ روحُها وارتوى فؤادُها.
ولما كانت قصتها أقوى دلالةً وأجلى بيانا على رحمةِ الله تعالى بعباده الذين تسنَّمُوا أعلى مقامات العبودية: سُمِّيَت السورةُ باسمها؛ فحيثما ذكرت مريم يرتبط اسمها برحمة الله تعالى لها، وكمال عبوديتها لله تعالى فهي ممن بلغن درجة الكمال الإنساني، وهن أربعةٌ فحسب، كما في الحديث عن أبي مُوسَى الأشعري - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: (كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إلاّ مَرْيَمُ ابنةُ عِمْرَانَ وآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وفَضْلُ عَائِشَةَ على النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثّرِيدِ على سَائِرِ الطعَامِ) [2] .
وأخرج الترمذي والحاكم عن أَنَسٍ - رضي الله عنه - أَنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: (حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ: مَرْيَمُ ابنةُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحمّدٍ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ) [3] 0
(1) - هناك تناسب بين أسماء السور وبين مضمونها، حيث دلالة الاسم على المسمى، وفي ذلك يقول الإمام الزركشي تحت عنوان:"اختصاص كلِّ سورة بما سميت": ينبغي النظر في وجه اختصاص كل سورة بما سميت به، ولا شك أن العرب تراعى في الكثير من المسميات أخذ أسمائها من نادر أو مستغرب يكون في الشيء من خلق أو صفة تخصه أو تكون معه أحكم أو أكثر أو أسبق لإدراك الرائي للمسمى، ويسمون الجملة من الكلام أو القصيدة الطويلة بما هو أشهر فيها، وعلى ذلك جرت أسماء سور الكتاب العزيز"البرهان في علوم القرآن للإمام بدر الدين الزركشي 1/ 270"
(2) - رواه البخاري في صحيحه عن أبى موسى الأشعري - رضي الله عنه - كتاب أحاديث الأنبياء - باب قوله تعالى
{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ} [التحريم: 11] صحيح البخاري 2/ 390 حديث 5112، ورواه الإمام أحمد في مسنده 1/ 84، والدارمي في السنن 2075.
(3) - حديث صحيح: رواه الترمذي في السنن عنه - كتاب المناقب باب /فضل خديجة 5/ 515 حديث 3878 وقال حديث صحيح، و أخرجه الحاكم في المستدرك وقال:"حديث صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي 2/ 595 0