ابنا لله، وموسى لا يعلم ذلك ولا يعرفه ولا يدعو إليه" [1] ، كما في ذكر موسى - عليه السلام - ثم ذكر إسماعيل بعد ذلك إشارة إلى ما أعطاه الله لنبيه إبراهيم من ذرية صالحة."
ومن سمو قدره ورفعة مقامه أن ناداه ربه نداء حب وإكرام من بقعة مباركة (وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ) حيث قدسية المكان، (وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا) اصطفاه الله تعالى واجتباه وأدناه وناجاه.
والنجيّ بمعنى المناجي كالجليس والنديم، فالتقريب هنا هو تقريب التشريف والإكرام.
{وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53) }
منَّ الله على أخيه هارونَ بالنبوةِ ليشدَّ به أزرَه ويشاركه في همّ الدعوة؛ تفضلا منه تعالى ورحمة.
وكان موسى - عليه السلام - قد سأل ربه أن يشد أزره بأخيه قال تعالى {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (36) } [طه: 29 - 36] ، ولهذا قال بعض السلف: ما شفع أحدٌ في أحدٍ شفاعةً في الدنيا أعظمَ من شفاعةِ موسى في هارونَ أن يكون نبيًّا، قال الله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53) } [2] .
رحمته تعالى بإسماعيل - عليه السلام -
{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55) } اذكره في الكتاب الخالد: تشريفًا وتكريمًا، وإعظاما وإجلالا، وتقديرًا وإكبارًا، وتأسيًا واعتبارًا.
(إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ) : لم يعد ربَّه عِدةً إلا أنجزها، فكان صادق الوعد مع ربه ومع الناس، وقد تجلت هذه الخلة الكريمة في أبهى صورها حين استجاب لأمر الله تعالى وامتثل لأبيه بصبر وثبات.
قال تعالى: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) } [الصافات: 99 - 107] .
(1) - الأساس في التفسير للشيخ سعيد حوى 6/ 3279
(2) - تفسير القرآن العظيم لابن كثير 3/ 26