بعد هذا البيان القصصي الذي أبرز لنا معالم الرحمة الربانية وصوَّر لنا مقام العبودية وهو غاية الوجود الإنساني: جاء البيان الحُوارِي متناسقا مع المحور العام للسورة ومع القصص الواردة فيها ومقررا لما جاء فيها بهذا الأسلوب الذي يخاطب القلوب ويحاور العقول ويناجي الوجدان، فَعَرَضَ شُبَهَ المشركينَ ودَحَضَهَا بالحُجَجِ والبراهينِ، وبينَ تفرُّده تعالى بالعبادة.
وتبرزُ صلة هذا المقطع بالمحور العام للسورة: من كون هذا الحوار إنما سيقَ رحمةً من الله تعالى بعباده؛ إذ الهدف منه هدايتهم إلى طريق نجاتهم؛ وذلك بتحقيق الغاية من وجودهم وهي عبادة الله وحده، وبعد نظرة كلية لهذا المقطع قمت بتقسيمه إلى خمس فقرات تتضمن خمس جولات حوارية مع المشركين تعرض وتفنِّد شبههم بالحجة والبرهان.
الجولة الأولى
إنكارهم البعث!
قال تعالى {وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (70) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72) } .
الرد على منكري البعث
ينكر هذا الكافرُ مصيرَه ويتناسى أصله وطبيعته، ويتعدى حدوده، ويتجاوز قدره، حين يتجرأ على خالقه، ويبادر إلى إنكار حقيقةٍ جليةٍ، فضلًا عن تنكره لنعم الله عليه وعلى من حوله من كائنات، ولو أمعن فكره وأعمل عقله لما وصل إلى هذه النتائج الخاطئة.
هل فكر في نفسه وحياته كيف خلقه الله ولم يك شيئا؟ ثم نقله من ضعف إلى قوة؟ ومنحه العقل والإدراك؟
{فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68) }
ويحَ هذا الكاذب المغرور، وويله: حين يحشر مصفَّدا مع أقرانه من الضالين المضلين، وقد صُفُّوا حولَ جهنّم جثيا على ركبهم في ذلةٍ وصَغَارٍ، وحسرةٍ وانكسار.
{ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (70) }