(فهذا كله يدل على أهمية التفصيل والبيان، حتى لا يلتبس الأمر على المخاطَب، لا سيما في هذا الزمن الذي قلّ فيه من يفهم الكلام، وقد يحسن فهمه؛ لكن قد يكون له قصد سيئ، فينقله على غير وجهه، متسترًا بجدُر الألفاظ الموهمة المحتملة، وقد ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- في"الرد عل البكري"(2/ 702) الموقف الصحيح من كلام المتكلِّم فقال:"... بل الواجب أن يعبر عن المعنى باللفظ الذي يدل عليه، فإن كان اللفظ نصًا أو ظاهرًا؛ حصل المقصود، وإن كان اللفظ يحتمل معنيين: أحدهما صحيح، والآخر فاسد؛ تُبَيِّن المراد، وإن كان اللفظ يُفهم منه معنى فاسد؛ لم يُطلق إلا مع بيان ما يزيل المحذور، وإن كان اللفظ يوهم بعض المستمعين معنى فاسدًا؛ لم يخاطب بذلك اللفظ، إذا علم أنه يوهم معنى فاسدًا، لأن المقصود بالكلام البيان والإفهام، وأما إذا كان اللفظ دالًا على المراد، وجهل بعض الناس معناه، من غير تفريط من المتكلم؛ فالدرك على المستمع، لا على المتكلم".اهـ
(وليس معنى ذلك أن المتكلم لا يقع في الإجمال أصلًا، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي أوتي جوامع الكلم، وفواتحه، وخواتمه، واختصرت له الحكمة اختصارًا، يوجد في كلامه كلام مجمل في موضع، ويبينه في موضع آخر، وهكذا من تكلم باللسان العربي، فإن ذلك يجري في كلامه، لكن المقصود من ذلك، أن لا يُجمل المتكلم في موضع البيان، ولا يطلق في موضع التقييد، ولا يُجمل مريدًا بذلك معنى فاسد، فإن ذلك يفسد أيما إفساد، والله المستعان.
(لكن إذا وقع الإجمال، تعين الإستفصال ـ عند الاشتباه ـ فقد قال شيخ الإسلام في"منهاج السنة النبوية"(2/ 217) :"وأما الألفاظ المجملة، فالكلام فيها بالنفي والإثبات، دون الإستفصال؛ يوقع في الجهل والضلال، والفتن والخبال، والقيل والقال، وقد قيل: أكثراختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء"اهـ
(وإذا كان الأمر كذلك؛ فما المانع من أن يقع الإجمال من المتكلم في موضع، ويكون له ما يفصله في موضع آخر، فيحمل هذا على ذاك، كما هو الحال في الأحاديث النبوية؟!.