جُهّالهم، وتهييج لعوامهم على معاداة موسى، وعدم الإيمان به، وهذا لايحتج به من عرف الحقائق، وميز بين الأمور، فإن الحجج لا تُدْفَع إلا بالحجج والبراهين، وأما من جاء بالحق، فَرُدَّ قوله بأمثال هذه الأمور؛ فإنها تدل على عجز مُورِدِها، ولم يلجأ إلى قوله: قَصْدُك كذا، أو مرادك كذا، سواء كان صادقًا في قوله وإخباره عن قصد خصمه، أو كاذبًا، مع أن موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ كل مَنْ عَرَفَ حاله وما يدعوإليه؛ عَرَفَ أنه ليس قصده العلو في الأرض، وإنما قصده كقصد إخوانه المرسلين: هداية الخلق، وإرشادهم لما فيه نفعهم، ولكن حقيقة الأمر، كما نطقوا به، بقولهم: (وما نحن لكما بمؤمنين) أي تكبرًا وعنادًا، لالبطلان ما جاء به موسى وهارون، ولا لاشتباههم فيه، ولا لغير ذلك من المعاني، سوى الظلم والعدوان، وإرادة العلو الذي رموا به موسى وهارون ... أ هـ.
وقد عزمت على كشف النقاب عن هذه المسألة، في كتابي هذا -إن شاء الله تعالى- وسميته"الجواب الأكمل على من أنكر حمل المجمل على المفصّل والظاهر على المؤول"وأسأل الله عز وجل أن يجعله مباركًا نافعًا، وأن يدفع به عني وعن والديّ وعن أهلي وذريتي خزي الدنيا والآخرة، وأن يجزل الثواب والعطاء لإخواني جميعًا الذين قرّبوا لي بعيده، وأعانوني على جمع شتاته، وأن يجعل العلم لنا سراجًا، ولا يجعله لنا استدراجًا، وأن يرزقني وإياهم علمًا ويقينًا وفقهًا، وبالله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.