والتقدير فكان الخراج يجبى كل أربعة أشهر فهذا يؤدي الى تحميل الناس فوق طاقتهم فينعكس على إضرار البلد وتحطيمه وتمزيقه، ولذلك فرضت الضرائب الباهظة على المجتمع ويعطى من الضريبة لأهل البيوتات والعظماء والمقاتلة والهرابذة [1] والكتاب ومن كان في خدمة الملك والأشراف والوجهاء، ورجال الدين [2] . فعلى هذا تكون الثروة بيد فئة معينة دون فئة أخرى وكذلك أخذها من الفقراء المعدمين وجعلها في الخاصة الغنية، وكذلك قد جمعت الثروات لملوك الساسانيين أنواعًا لا تحصى من الجواهر والحلي. فعلى سبيل المثال فهذا كسرى ابرويز مدة حكمه ثمان وثلاثين سنة فكان آخر إحصاء لخراجه 1600 مليون درهمًا والمجتمع فقيرًا معدمًًا لم يتحقق له أي وسيلة من وسائل الضمان الاقتصادي [3] .
ولحل هذه المشاكل الاقتصادية وتحقيق الضمان الاقتصادي للمجتمع هو تحقيق العدالة في التوزيع الذي تقوم به الدولة فيضمن مجتمعًا مرفهًا منتعشًا اقتصاديًا وإلغاء الطبقة الفقيرة المعدمة وجعل المجتمع مؤلفًا من طبقتين غنية ومتوسطة.
قال الإمام المسعودي رحمه الله تعالى: (هو أن يكون مع ملاكها ومديريها - الدولة - تقى الله أولًا ثم دراية ونجدة وعدل وعفة وسياسة حتى تستقيم الأمور وينتظم التدبير ويأتي من الأموال ما يسد به أركان الملك وتعمر به البلاد ويشحن به الثغور ويقمع به العدو إذ كان سلوك طريقة العدل يؤدي الى طول المدة واتصال أيام الدولة وبالعدل ركب جميع العالم فلا جرم أنه لا يقوم إلا بالحق وهو ميزان الرب في الأرض بين عباده، فلذلك حكمته مبرأة من كل ميل وزلل، فمن بخسه بتر عمره وانقضت أيامه، وظلم الرعية استجلاب البلية) [4] .
وقال الإمام الماوردي رحمه الله تعالى: (العدل إحدى قواعد الدنيا التي لا انتظام لها إلا به ولا صلاح فيها إلا معه [5] . وقال أيضًا: (العدل الشامل يدعو الى الألفة
(1) الهربذ بالكسر، واحد هرابذة المجوسي، وهم خدم النار، فارسي معرب / الصحاح للجوهري/ 2/ 573.
(2) ينظر الفكر الاقتصادي بين المدارس الوضعية والمدرسة الإسلامية/ 395.
(3) ينظر المحبر / 362، وينظر الفكر الاقتصادي بين المدارس الوضعية والمدرسة الإسلامية/396.
(4) التنبيه والإشراف للإمام أبي الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي (ت 345 هـ) رحمه الله تعالى
(ب - ط) (ب - ت) / 36.
(5) أدب الدنيا والدين للإمام أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي (ت 450 هـ) رحمه الله
تعالى / تحقيق مصطفى السقا/ دار الكتب العلمي - بيروت - الطبعة الرابعة 1398 هـ - 1978 م/ 141.