إن ديننا الإسلامي قد سبق جميع دول العالم بقرون عديدة في إقامة ضمان اقتصادي، يفرضه الدين، وتنظمه الدولة الإسلامية، ولقد كانت بداية نشوء الضمان الاقتصادي الإسلامي منذ بداية نشوء بعض الحقوق المالية في العهد المكي، وقد كان نشوء المجتمع الإسلامي نشأة تراحم وتعاطف وإيثار ومحبة: قال تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [1] قال الإمام حسنين مخلوف رحمه الله تعالى: (أي يوجبون على أنفسهم في أموالهم حقًا للسائل والمحروم، تقربًا الى الله - عز وجل -، بمقتضى كرم النفس وجودها، يصلون به الأرحام والفقراء والمساكين، والحق هنا: غير الزكاة المفروضة، إذ السورة مكية، والزكاة إنما فرضت بالمدينة) [2] . فيستنتج أن هذا الحق الذي أوجبوه على أنفسهم - رضي الله عنهم - هو تحقيقًا للضمان الاقتصادي الإسلامي، ومحاربة للفقر والحاجة.
وقال الله تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ - لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [3] .
قال الإمام أبن عباس (رضي الله عنهما) في تفسير الآية (صلة رحم وحمل كل [4] [5] .
وقال الإمام أبن كثير رحمه الله تعالى (أي جزء مقسوم قد أفرزه للسائل والمحروم) [6] . فيستنتج أن هذا الحق المعلوم هو لتحقيق الضمان الاقتصادي للمجتمع، ورفع الحاجة والفاقة عنهم، وهذا تحقيق للعيش الكريم.
ولا بد من التنبيه بأن المفسرين رحمهم الله تعالى قد اختلفوا في المراد من قوله تعالى {حَقٌّ مَّعْلُومٌ} أهو الزكاة أو هو حقوق غير الزكاة [7] ، قال الإمام الثعالبي رحمه
(1) سورة الذاريات الآية 19.
(2) صفوة البيان لمعاني القرآن للإمام حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية سابقًا وعضو جماعة كبار العلماء/ الطبعة الثالثة/ 666 - 667.
(3) سورة المعارج الآيات 24 - 25.
(4) الكل: العيال والثقل، والكل اليتيم، والكل: الذي لا ولد له ولا والد. ينظر الصحاح للجوهري 5/ 1811.
(5) الجامع لأحكام القرآن للإمام أبي عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي رحمه الله تعالى - دار إحياء التراث العربي - بيروت - لبنان 1405 هـ -1985 م 18/ 291.
(6) تفسير القرآن العظيم للإمام عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي (ت 774 هـ) رحمه الله تعالى - دار المعرفة - بيروت - لبنان 1412 هـ - 1991 م 4/ 251.
(7) ينظر الجامع لأحكام القرآن 18/ 290 - 291.