الصفحة 3 من 11

مقدمة: ... رغم الإنجازات الكثيرة التي تحققت في المجال الصحي خلال العقود الماضية، ما زالت سوريا تواجه عددا من التحديات الصحية البارزة. فمازال الإنفاق الصحي منخفضًا ومعظم الإنفاق الإجمالي على الصحة يأتي من الإنفاق الفردي، ومازال الضمان الصحي غائبًا، ومازالت معظم الخدمات الصحية علاجية أساسًا ويسيطر عليها قطاع خاص غير منظّم، ومازال متوسط إشغال المشافي منخفضًا، ومازالت مقاييس جودة الرعاية الطبية غائبةً نظرًا لعدم وجود مقاربة وطنية باتجاه التحسين المستمر لنوعية خدمات الرعاية الصحية. يضاف إلى ذلك أن الارتفاع المطرد في تكاليف التداخلات العلاجية والتشخيصية والوقائية، والنمو السكاني المقترون بتزايد أعمار المواطنين وبتزايد انتشار الأمراض غير المعدية سيشكل أعباءً ضخمةً بالنسبة لاستمرارية تأمين وتمويل الرعاية الصحية في سوريا.

كما أن غياب الرؤية المستقبلية الواضحة قد يؤدي إلى خفض كفاءة وإنتاجية الخدمات الصحية المقدمة. ولوضع رؤية مستقبلية واضحة انطلاقا من الواقع، لابد من الإجابة على السؤالين التاليين بكل دقة وشفافية وجرأة وواقعية:

1 -ما هو واقع القطاع الصحي في سوريا الآن؟

2 -ما هو مستقبل القطاع الصحي في سوريا؟

تتضمن هذه الورقة محاولة للإجابة على هذين السؤالين، كمقدمة لنقاش يهدف إلى تطوير وتحديث القطاع الصحي في سوريا. وتنطلق هذه المحاولة من مناقشة المهام الثلاث الرئيسة التي يفترض أن تقوم بها الجهات المناط بها تقديم الخدمات الطبية في سوريا (وزارة الصحة، وزارة التعليم العالي، إدارة الخدمات الطبية العسكرية، القطاع الخاص) وهي:

1.تقديم الرعاية الصحية

2.التعليم الطبي قبل وبعد التخرج

3.البحث العلمي الصحي

إن الهدف الأسمى لكل أشكال الرعاية الصحية هو صحة المواطن، وتقوم الجهات المناط بها تقديم الخدمات الطبية في سوريا بتقديم ما يلزم من رعاية صحية وقائية وتشخيصية وعلاجية لمختلف فئات المواطنين. ولكن يتضح من معايشة الواقع اليومي ومن بعض الدراسات العلمية التي أجريت مؤخرًا أنه من الضروري تحسين مستوى أداء الرعاية الصحية في سوريا. وقد أصبحت هذه الضرورة واضحة للمواطنين، وللعاملين في الرعاية الصحية، ولأجهزة الإعلام، ولمخططي السياسة الصحية. وقد أدى ذلك إلى تنظيم العديد من المؤتمرات والندوات الهادفة إلى تطوير القطاع الصحي كان آخرها أسبوع العلم الخامس والأربعين الذي انعقد في تشرين الأول 2005 تحت شعار"تطوير الممارسة الطبية".

تتوفر في سوريا أعداد كافية من المؤسسات الصحية ومن الكوادر الطبية، حيث يبلغ مثلًا عدد الأطباء 14.6 لكل 100000 مواطن، وعدد أسرة المشافي 13.8 لكل 100000 مواطن. ولكن يلاحظ في سوريا، كما في مختلف دول العالم، تفاوت نوعية الرعاية الصحية المقدمة للمواطنين من مؤسسة صحية إلى أخرى بسبب تعدد الجهات المقدمة للخدمات الصحية، سواء الحكومية أو الخاصة، وتفاوت إمكانياتها المادية والتقنية والعلمية. وقد أدى الاهتمام العالمي بالتحقق من جودة الرعاية الصحية، وتزايد المعلومات الطبية المتوفرة للمواطنين، وانتشار مبادئ حقوق المريض، وتزايد اهتمام وسائل الإعلام بالقضايا الصحية وبالأخطاء الطبية، واشتداد المنافسة في تقديم الخدمات الطبية، إلى تبنى إعلان المآتا عام 1978 لشعار «توفير الصحة للجميع» . يجعل هذا الشعار من ضمان الجودة جزءًا لا يتجزأ من الرعاية الصحية، ويطلب التزام جميع الجهات المقدمة للخدمات الطبية بحد أدنى من جودة الرعاية الصحية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت