الكتاب والسنة من أدلة. ولذلك يجب الأخذ به عقائديًا لا مصلحيًا. فعقيدة الإسلام تعتبر أن المال لله وحده وهو الذي استخلف الإنسان فيه، فصار لهم بهذا الاستخلاف العام حق ملكيته، وهو الذي أذن للفرد بحيازته فصار له بهذ الإذن الخاص ملكيته بالفعل. وبناءً عليه فإن التصرف بالملكية مقيد بالشرع، سواء أكان تصرفًا بالإنفاق أم تصرفًا بتنمية الملك. ولذلك تمنع المعاملات والعقود والشركات المخالفة للشرع مثل الربا والغبن الفاحش والاحتكار والقمار.
وبالتدقيق في أسباب الأزمات المالية الحقيقية نجد أنها محصورة في ثلاثة أمور وهي: النقود غير المغطاة بالذهب والفضة وسوء توزيع الثروة.
أما النقد الذي ألزم الله فيه دولة الإسلام هو النقد الذي يقوم على قاعدة الذهب والفضة لا غير. ويجوز أن تصدر الدولة بدل الذهب والفضة شيئًا آخر على شرط أن يكون له في خزانة الدولة ما يساويه من الذهب والفضة. فيجوز أن تصدر الدولة نحاسًا أو برونزًا وتضربه باسمها نقدًا لها إذا كان له مقابل يساويه تمامًا من الذهب والفضة.
فإذا أرادت الدولة أن تصدر نقدًا فإنها مقيدة بأن يكون هذا النقد هو الذهب والفضة ليس غير. فالشرع لم يترك للدولة أن تصدر النقد الذي تريده من أي نوع تشاء، وإنما عين الوحدات النقدية التي للدولة أن تجعلها نقدًا لها إذا أرادت أن تصدر نقدًا بوحدات نقدية معينة هي الذهب والفضة ليس غير. والدليل على ذلك ان الإسلام ربط الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير. فحين فرض الدية عين لها مقدارًا معينًا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب، قال - صلى الله عليه وسلم - في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: (وإن في النفس المؤمنة مائة من الإبل، وعلى أهل الورق ألف دينار) وقال - صلى الله عليه وسلم: (لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا) فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار والدرهم والمثقال يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة وحدة نقدية هي النقد، وهي أساس النقد. فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد. فكون الشرع ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة نصًا حين تكون هذه الأحكام متعلقة بالنقد دليل على أن النقد إنما هو الذهب والفضة. فاعتباره زكاة النقد بالذهب والفضة يعني أن النقد هو الذهب والفضة (1) ، ولو كان النقد غيرهما لما وجبت فيه زكاة نقد لأنه لم يأت نص في زكاة النقد إلا على الذهب والفضة مما يدل على أنه لا اعتبار لغيرهما من النقود. وأيضًا فإن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما، وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت على الذهب والفضة. والصرف بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة وإما بيع عملة بعملة أخرى، وبعبارة أخرى: الصرف بيع نقد بنقد. فتعيين الشرع للصرف - وهو معاملة نقدية بحتة - بالذهب والفضة وحدهما دون غيرهما دليل صريح على أن النقد يجب أن يكون الذهب والفضة لا غير قال عليه السلام: (بيعوا الذهب