الصفحة 19 من 27

بالفضة كيف شئتم يدًا بيد). وفوق ذلك فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد عين الذهب والفضة نقدًا وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود. وعلى أساسهما كانت تجري المعاملات. وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم، والدانق، والقيراط، والمثقال، والدينار. وكانت هذه كلها معروفة ومشهورة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - يتعامل بها الناس. والثابت أنه عليه السلام أقرها. وكانت بالذهب والفضة جميع البيوع والأنكحة كما ثبت في الأحاديث الصحيحة فكون الرسول جعل النقد الذهب والفضة وكون الشرع قد ربط بعض الأحكام الشرعية بهما وحدهما وجعل الزكاة النقدية محصورة بهما، وحصر الصرف والمعاملات المالية بهما كل ذلك دليل واضح على أن نقد الإسلام إنما هو الذهب والفضة ليس غير.

والحكمة من ذلك أن قيمة النقود يجب أن تقسم بالثبات النسبي لتظل لتؤدي وظائفها كاملة، فتكون معيارًا مستقرًا لا يزيد ولا ينقص، لأنها مقياس للقيم، والمقياس يجب أن يكون منضبطًا، كمقياس الطول والكيل والوزن. يقرر"ابن القيم الجوزية": أن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات. والثمن هو المعيار الذي يعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محددًا مضبوطًا لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع، لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع.

وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يكون إلا بسعر تعرف به القيم، ولا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء، ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوم هو بغيره، إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس، ويقع الخُلف ويشتد الضرر. فإذا اختل مبدأ الثبات النقدي حدث خلل في الوظائف النقدية، وخاصة حينما تكون ديونًا في الذمة.

ولذلك اهتم الفقهاء بتغير قيمة النقود، فبينوا الأحكام المترتبة على تغير الدولة للعملة المتعارف عليها بين الناس، والأحكام المترتبة على سك النقود من غير الذهب والفضة، واختلاف قيمتها بالنقص أو الزيادة. وذلك لأن الهدف من إصدار النقود هو: العمل لمصلحة الناس، ولذلك ينبغي أن تكون قيمتها مستقرة استقرارًا نسبيًا. فلا يجوز للدولة أن تغير نظام النقدين (الذهب والفضة) أو أن تغش النقود أو تنقصها دون سبب، لأن في هذا فساد أحوال الناس، واضطراب معاملاتهم، إذ به تحصل الأزمات المالية ويحمل الناس التزامات أكبر من التزاماتهم. قرر الفقهاء أن الإمام يكره له أن يضرب النقود المغشوشة، لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم:"من غشنا فليس منا" (رواه ابن ماجة والطبراني في المعجم، وأبو نعيم الحلية، وطبقات الأصفياء) .

ولأن فيه إفسادًا للنقود، واضرارًا بذوي الحقوق، وغلاء الأسعار، وانقطاع الاجلاب، وغير ذلك من المفاسد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت