الصفحة 26 من 37

رابعا: لا بد من التفرقة بين التوثيق للحديث والتوثيق للقراءة فقد يكون العالم متقنا لفن معين وبارزا فيه وذلك لأنه قضي جل حياته فيه واعتني بتدريسه وفهمه عناية كبيرة فهذا الأمر لا يؤهله لأن يكون عالما في العلوم الأخري فقد يكون عمدة في هذا الفن مرجع فيه ولكن كل فن له ضوابطه وله قواعده وأسسه التي تختلف عن غيره من الفنون فحن نري حتي في زماننا هذا علماء أجلاء في القراءات ويحفظون متون القراءات الشاطبية والدرة والطيبة وغيرها وقد لا ينسون منها حرفًا واحدا ويخبرك أحدهم إذا أردت أسانيد القراءات ويعرف أئمته في القراءة ويعرف كل حرف من العشرة بطرقه ولكنك إذا ناقشته في أحاديث النبي صلي الله عليه وسلم تجده لا يفرق بين الصحيح والضعيف منه علي الرغم من تفوقه في القراءات وهذا ليس طعنا فيه ولا في عدالته ولا أمانته وإنما هو طعن في ضبطه لعلم الحديث فقط، فقد يكون الإنسان عالما أمينا متقنا ضابطا لفن من الفنون أو علم من العلوم وليس ضابطا لفن آخر وإذا نظرنا إلي أقوال العلماء في الإمام عاصم بن أبي النجود نجدهم يتحدثون عن قضية الضبط وليس العدالة إذ أن العدالة والضبط شرطين من شروط قبول الراوي فإذا انتفي أحدهما في الراوي لا يقبل حديثه عند المحدثين إذ أن مقتضي العدالة أن يكون الراوي أمينًا وهذا متوفر في الإمام عاصم بن أبي النجود ومقتضي الضبط أن يكون حافظًا متقنًا لحفظه ليس بكثير الخطأ ولا فاحش الغلط ولا مخالف الثقات ولا كثير الأوهام وهذا هو الذي تحدث فيه علماء الحديث في الإمام عاصم وهو ضبطه في لحديث وليس القراءات والحروف.

قال الذهبي في تاريخ الإسلام:"فأما في القراءة فثبتٌ إمام، وأما في الحديث فحسن الحديث" [1]

وكذلك أبو بكر بن عياش الأسدي إمام في القراءات أما الحديث فيأتي بغرائب ومناكير [2] .

وكذلك عمر بن هارون بن يزيد الثقفي البلخي قال الذهبي في"تذكرة الحفاظ:"ولا ريب في ضعفه، وكان إمامًا حافظًا في حروف القراءات" [3] ."

(1) تاريخ الإسلام (وفيات سنة 130 هـ ص 140.

(2) سير أعلام النبلاء 8/ 505.

(3) تذكرة الحفاظ 1/ 341.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت