الصفحة 13 من 16

تشويه النسيج الاجتماعي والبنى الطبقية في المجتمع [1] .وحسب تصنيف منظمة الشفافية الدولية احتل العراق المركز 178 من مجموع 180 دولة استنادًا الى مؤشر مدركات الفساد ولم يسبقه الا الصومال ومينمار [2] . وعلى الرغم من امتداد آثار الفساد الا أن آثاره في البطالة تتأتى من خلال الحد من النمو الاقتصادي إذ يؤثر في حجم الاستثمارات المحلية والأجنبية لان الاستثمار يتجنب البيئة التي يستشري فيها الفساد وهذا ما يؤدي الى الفقر والبطالة [3] نتيجة النقص الحاصل في الوارد الموجهة لمعالجة الفقر وتوليد وظائف جديدة في الاقتصاد.

ان اختلال هيكل التجارة الخارجية هو إحدى سمات الاقتصاد العراقي، لكون هيكل الصادرات يتصف بعدم المرونة ويتركز على النفط، فضلًا عن طبيعة المجتمع العراقي الذي يستهلك ويستثمر أكثر مما ينتج ويدخر وهذا ما جعل طلب العراقيين على المنتجات الأجنبية أعلى بكثير من طلب الأجانب على المنتجات العراقية، وقبل التغيير في 2003 أدى ضعف فاعلية السوق وما يتبعها من سوء تخصيص الموارد بان يكون المسوغ الأساس لإتباع سياسة الحماية التجارية التي بنيت على نمط سياسة إحلال الواردات والاعتماد على الدولة في إدارة القطاع التجاري وتهميش القطاع الخاص وعدم السماح للقطاع الأجنبي في العمل بالمجال التجاري، وقد ادى هذا التوجه التنموي الى ان يكون النمو الاقتصادي غير قابل للاستدامة، لكن الوضع قد تغير بعد التغيير أذ أصبح من غير الممكن القبول بماضي العراق التجاري دليلًا على مستقبله لكون الظروف قد تبدلت، فالانفتاح على الاقتصادات المتقدمة قد يسهم في بناء قاعدته الإنتاجية المدمرة وتحقيق معدلات مرتفعة من النمو الاقتصادي، الا ان هذا الانفتاح الذي حدث بعد 2003 يمكن ان يوصف بالانفتاح المنفلت.

ان سياسة حرية الاستيراد وان اتفقت مع الأطروحة الرأسمالية التي تتمثل في مقولة"دعه يمر"الا انها لم تكن على وفق ضوابط وأسس تحكمها متطلبات الاقتصاد فقد أغرقت السوق المحلية بالسلع والبضائع ذات المناشئ العادية والنوعية الرديئة بهدف جني الأرباح وهو ما ترتب عليه أمران [4] :-

* اختفاء الصناعات والمهن الصغيرة التي تعد اساس النهوض بالاقتصاد

* تزايد عدد العاطلين عن العمل ودخولهم في صفوف البطالة المستشرية أساسا.

ان سياسة الاستيراد غير المنضبط على الرغم من ايجابياتها في توفير السلع للمواطن الذي عانى من الحرمان طوال ثلاثة عقود، الا ان آثارها السلبية أكثر بكثير من تلك الايجابية إذ وصل الأمر بالبلد الى ان يستورد المياه المعدنية، وهو يمتلك الرافدين (دجلة والفرات) ،وعملت أيضًا على تدمير الصناعة والزراعة اللتين عملتا في ظل حماية الدولة ولم يعتادا على المنافسة، لذا أدت هذه السياسة الى تعطيل الطاقات الإنتاجية ومن ثم التأثير في البطالة، وظهور نوع من البطالة سمي بالبطالة المستوردة او البطالة الناشئة عن أسباب خارجية [5] .وأدت هذه السياسة الى إفلاس العديد من المؤسسات الحرفية والصناعات الوطنية بسبب المنافسة غير المتكافئة مع السلع القادمة من الصين وبعض دول الشرق.

ان تزايد معدلات البطالة أدى بالدولة الى إتباع الأسلوب التقليدي الذي انتهجته الحكومات السابقة وذلك بالتوسع في ملاكاتها وخاصة في قطاعي الجيش والشرطة، وإدماج المليشيات (عناصر الصحوات بالدرجة الأساس) في القوات الأمنية، على الرغم من توجه الدولة نحو اقتصاد السوق والخصخصة الا انه نجد استمرار النمو في حجم العاملين في قطاع الدولة نتيجة زيادة زخم التوظيف في المؤسسات الأمنية. ويقدر موظفي القطاع العام بـ 2.395 مليون موظف عام 2008 ارتفع الى 2.562 مليون موظف سنة 2010. وبلغت نسبة تعويضات المشتغلين في القطاع العام 61% سنة 2005 وارتفع الى 64% سنة 2007 من إجمالي تعويضات المشتغلين وكان لابد من هذا الإجراء لمعالجة مشكلة البطالة التي تولدت بعد عام 2003 والتي أسهمت بتغذية الإرهاب ويمكن تلمس العلاقة العكسية بين نمو حجم الأجهزة الأمنية وانحسار العمليات الإرهابية، وان كان ذلك مرهقا لموازنة الدولة، الا ان هذا العلاج الاقتصادي للمشكلة كان هو الأكثر نفعا وجدية في الحل. وان زيادة الرواتب والاجور في مؤسسات القطاع العام وان شكل عبئًا على الموازنة الا انه عمل على جذب العاملين اليه بعد ان كان طاردًا للعمل قبل التغيير.

(1) ناجي الغزي"ظاهرة الفساد، مسبباتها وتحليل اثارها على المجتمع العراقي"صوت العراق،2009،ص 2.

(2) منظمة الشفافية الدولية"مؤشرات مدركات الفساد في العالم لسنة 2011"

(3) مركز حمورابي للبحوث و الدراسات الإستراتيجية"التقرير السترتيجي العراقي الثاني"2010،ص 237.

(4) مركز حمورابي للبحوث و الدراسات الإستراتيجية"التقرير السترتيجي العراقي الأول"2008، ص 294

(5) منظمة العمل العربية، المنتدى العربي للتشغيل، دور المنشات الصغيرة والمتوسطة في خفيف أزمة البطالة"بيروت،2009،ص 10."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت