الواقع، الاثار، اليات التوليد وسبل المعالجة
تعد البطالة واحدة من المشاكل المزمنة والخطيرة التي تواجه الاقتصاد العراقي لما لها من اثار اجتماعية وسياسية واقتصادية وخيمة. وقد استفحلت هذه المشكلة منذ ثمانينات القرن الماضي أثر تزايد اعتماد العراق على قطاع النفط، والتوسع غير المخطط لقطاع الخدمات غير المنتجة والقطاعات المتصلة بالمؤسسة العسكرية، مترافقا مع إهمال القطاعات المنتجة كالزراعة والصناعة، وإهمال الاستثمار الإنتاجي في النشاطات المدنية وتزايد سيطرة النخبة الحاكمة على مؤسسات الدولة وتسريح ما يقرب من مليون مجند عقب انتهاء الحرب العراقية-الإيرانية، ليدخلوا سوق العمل من دون مهارات تؤهلهم للحصول على عمل ذي دخل مجز. وتفاقمت حدة المشكلة في ظل الحصار الاقتصادي (1990 - 2003) وتدهور مجمل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتراجع مستويات المعيشة وتزايد معدلات البطالة والفقر بفعل الحصار، وبعد الغزو الأمريكي كان الاقتصاد العراقي يئن تحت وطأة الظروف القاسية ويعيش في أسوأ حالاته. فقد كان اقتصادًا محطما بفعل الحروب الداخلية والخارجية والعقوبات والإدارة السيئة وتوقف عملية التنمية وتدمير البنى التحتية ومؤسسات القطاع العام وتضاؤل الفرص أمام النشاط الخاص وسيادة الفوضى الأمنية والعنف في أنحاء مختلفة من البلد وعدم موائمة النظام التعليمي لمتطلبات سوق العمل التي أدت الى تعطيل شبه كامل للخدمات العامة، وهو ما أدى إلى حدوث نقص حاد في الإنتاج المحلي وتوقف شبه تام في إعادة الأعمار، وخلال كل تلك السنوات وبرغم الصعوبات فقد تعايش في الاقتصاد قطاعان متمايزان، فإلى جانب القطاع العام كان هناك قطاع خاص حقيقي يوظف ثلثي اليد العاملة، إلا إن معظم تلك الوظائف كانت في اقتصاد الظل.
وفرضت الظروف الاستثنائية مزيدًا من الفوضى الاقتصادية. فالأهداف التي أعلنت من جانب سلطة الائتلاف بعد غزو العراق لم تتحقق فتدهور امن الإنسان وزادت حالات البؤس والفقر وتراجعت مؤشرات النمو الاقتصادي وتفاقمت حدة بعض المشاكل كالبطالة والنقص في الطاقة. فضلًا عن أن السير المتعجل وغير المدروس نحو اقتصاد السوق لم يؤد إلى زيادة فاعلية تخصيص الموارد، وإنما قاد إلى تدهور حاد في الطلب المحلي على عناصر الإنتاج مع إغراق السوق المحلية بالسلع الأجنبية بسبب سياسة الاستيراد المنفلت، وتدهور الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، وظهور أعراض «المرض الهولندي» على الاقتصاد مجددا بعد اختفائها بسبب العقوبات الاقتصادية، فقد أدى انتعاش الاقتصاد النفطي إلى زيادة الواردات الأجنبية، وفقد منتجو السلع الزراعية والصناعية قدرتهم على منافسة السلع الأجنبية الرخيصة، وأدى ذلك إلى منع نمو استثمارات خاصة داخل الاقتصاد، وقلص بالتالي إمكانية خلق فرص عمل جديدة وتزايد معدلات البطالة.
إن طبيعة الاقتصاد والحال التي وصل إليها زاد من أزمة البطالة في البلد بشكل خطير تعايشت معه معدلات عالية من التضخم لينتجا حالة من التضخم الركودي Stagflation ، تسعى هذه المداخلة الى تحليل واقع البطالة وتحديد آثارها ومن ثم تحديد حزمة من السياسات الكفيلة للقضاء عليها، بعد تحديد الآليات المولدة لها.
أولا: المقدمة
تعد البطالة من اخطر المشاكل التي تواجه الاقتصاد العراقي لما لها من آثار اقتصادية واجتماعية وسياسية، فضلًا عن إنها تمثل هدرًا بالعنصر البشري. وهي تنذر بوجود خلل في النظام الاجتماعي والسياسي