عندما نشأت المؤسسات المصرفية الإسلامية الأولى في أوائل السبعينيات الماضية، ظهر احتياجها الفوري إلى فتاوى مستفيضة, لقضايا كلها جديد و صعب. ولم تكن جهات الفتوى الرسمية قادرة على تقديم المطلوب كما ولا نوعا، فشكلت كل مؤسسة هيئة شرعية تقدم لها الفتاوى، كما تعطي الجمهور المتعامل الثقة بأن المؤسسة تلتزم أحكام الشريعة حسب اجتهاد هيئتها الشرعية.
ولا ريب أن هذا كان نقلة نوعية كبرى في النشاط الاقتصادي المستهدي بأحكام الشريعة، مما جعل بعض كبار الفقهاء المعاصرين يعدون وجود هذه الهيئات وعملها من المميزات الحسنة للدور الفقهي الحالي الذي نعيشه، مقارنا بأدوار سابقة مر بها الفقه الإسلامي [1] .
وقد مارست هذه الهيئات"اجتهاد الجماعة"على نطاق مصغر، في مجال الأعمال المصرفية الجديدة كل الجدة على الفقه السابق، مما اقتضى تفرغا كاملا أو عملا كثيرا من هذه الهيئات.
وكان طبيعيا والحالة هذه أن تتحمل المؤسسات المالية تكلفة هذا العمل الكثير الذي لا يتيسر تقديمه على أساس التبرع [2] ، وأن تقوم علاقة وظيفية بين الهيئة الشرعية والمؤسسة المالية.
و مع ذلك، لا بد من ملاحظة أن ظاهرة (خصخصة الفتوى المالية) واختصارًا الخصخصة، لا نظير لها فيما احسب في تاريخ الفقه الإسلامي.
كانت الفتوى خدمة عامة, يقدمها لمن يطلبها فقيه متبرع (قد يدعمه وقف خيري) , أو مفتٍ رسمي يأخذ مرتبه من الدولة.
واسم الخصخصة مناسب هنا ويعني تحويل خدمة كانت من الدولة, ليقدمها القطاع الخاص بأجر.
إن أقرب الأعمال المعروفة اليوم لما تقوم به هيئة شرعية لمؤسسة مالية هو: عمل المفتى من جهة وعمل المراجع (المحاسب القانوني) Auditor من جهة أخرى، مع فوارق مهمة منها: أن المفتي يقدم خدمة عامة ويتقاضى تعويضا من الدولة لا من الجهة التي تطلب فتواه.
(1) أنظر مثلا: مصطفى أحمد الزرقا، المدخل الفقهي العام، ط 1996 م، دار القلم، دمشق"الدور الفقهي الثامن"
(2) من الاستثناءات الجميلة أن الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية للاستثمار كانت حتى عام 2000 م تقدم عملها متبرعة باستثناء عضوين متفرغين هما الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله و الشيخ عبد الرحمن بن عقيل.
وكانت تقتصر على تقديم الفتوى، و لا تصدر شهادة إلى الجمهور بعدم تعارض أعمال الشركة مع الشريعة، بل تبعث بنسخ فتاواها إلى المراجع الخارجي (المحاسب القانوني) ليتحقق من التزام الشركة بها خلال مراجعته و ليعلم الهيئة بالنتيجة.